لا أدري لماذا يهتم الإعلام الغربي ببعض الشخصيات في روسيا ويطلق عليهم وصف المعارضة للنظام، وهم لا يزيد عددهم على عدد أصابع الكفين وليست لهم أية قواعد شعبية ولا جماهير تؤيدهم أو تؤمن بأفكارهم، بينما يهمل الإعلام الغربي المعارضة الروسية الحقيقية الموجودة والممثلة في البرلمان.
والتي يقدر عدد أنصارها بعشرات الآلاف، هل لأن هذه المعارضة البرلمانية غالبيتها من الشيوعيين والقوميين الرافضين بشدة للغرب وسياساته وأفكاره ورافضين للتعاون معه، بينما الأفراد العشرة.
وربما أقل، الذين تسميهم وسائل الإعلام الغربية بالمعارضة الروسية توجهاتهم ليست فقط غربية، بل يحملون جميعاً جنسيات أجنبية، أميركية أو إسرائيلية أو بريطانية، هؤلاء الذين ظهروا في السنوات الأخيرة من العهد السوفييتي.
حيث بدأ الانفتاح تدريجياً على الغرب، حيث ظهرت فئة كنا نطلق عليه اسم «الروس الجدد»، كانوا موظفين بسطاء في الزمن السوفييتي يتقاضون رواتب حكومية لا تزيد في الشهر على خمسين دولار بأي حال من الأحوال.
ثم مع انفتاح نظام غورباتشوف والسماح بالعمل الفردي الخاص الحر، اشتغلوا بتجارة الالكترونيات وأجهزة الكمبيوتر التي كانوا يجلبونها من الخارج ك«تجار شنطة»، وانتعشت تجارتهم فذهبوا يؤسسون بنوكاً تعاونية يجمعون فيها أموال الناس بوعود بفوائد خيالية.
ولم تتحقق هذه الوعود، وفجأة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بأقل من أربعة أعوام في عهد الرئيس الراحل يلتسين أصبح تجار الشنطة هؤلاء مليونيرات يملكون مشاريع كبيرة ويؤسسون بنوكاً الواحد تلو الآخر، ولم يمض عامان آخران جرت فيهما أكبر عملية خصخصة للمشاريع الإنتاجية الكبيرة في روسيا، حتى تحول هؤلاء إلى مليارديرات.
وسيطروا على القطاعات الاقتصادية الحيوية في روسيا في مجالات الطاقة والمعادن والسيارات وغيرها، لقد تحولوا في أقل من عشرة أعوام من تجار شنطة إلى مليارديرات يضاهون أغنى أغنياء العالم، هذا في الوقت الذي كان أكثر من نصف الشعب الروسي يرزح تحت خط الفقر، والدولة تنهار والجريمة وعصابات المافيا تنتشر في كل مكان.
وكان لا بد من إيقاف هذا السيناريو المتواصل قبل أن تحدث الكارثة وتتفتت روسيا لدويلات صغيرة كانت ستبدأ بالشيشان، لولا مجيء شخص عادي لا يعرفه أحد اسمه فلاديمير بوتين للحكم، ومن سخريات القدر أن هؤلاء المليارديرات زعماء المافيا هم الذين أتوا ببوتين للحكم ليخلف المريض المنهار يلتسين، وكان بوتين يعمل في ديوان الرئاسة في الكريملين.
وربما لذكائه الحاد وقدرته على الخداع والمراوغة كونه كان أحد رجال جهاز المخابرات السوفييتي السابق (كي جي بي) استطاع بوتين أن يقنعهم بأنه سيحمي مصالحهم وسيبقى على ولائه لهم.
ولم يمض في الحكم عامين حتى شن بوتين حملة قوية على هؤلاء المليارديرات وزعماء المافيا، فهرب منهم البعض للخارج أمثال بيرزوفسكي، الذي كانوا يطلقون عليه اسم «عراب الكريملين» لنفوذه القوي في الدولة في عهد الرئيس يلتسين، وهو الذي رشح بوتين للرئيس يلتسين ليخلفه في الرئاسة.
وكان أول الهاربين إلى بريطانيا هرباً من بطش بوتين، وغيره أمثال سمولينسكي وجوسينيسكي وغيرهما ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية، وبقي في روسيا بعضهم، أمثال ميخائيل خودركوفسكي الرئيس السابق لشركة يوكوس النفطية.
والذي يقضي في السجن حكماً بتسعة أعوام لجرائم فساد وتهرب من الضرائب، ويقود من سجنه عبر أنصاره حملة المعارضة ضد رئيس الوزراء بوتين والرئيس ميدفيديف أيضاً.
خودوركوفسكي هذا شاب مر بمسيرة الحياة التي ذكرناها من تاجر شنطة حتى بداية التسعينات يسافر لسنغافورة يشتري ثلاثة أو أربعة أجهزة كمبيوتر، ويعود ليبيعها لأفراد في روسيا، ثم امتلك محلاً لبيع الإلكترونيات وزادت ثروته بسرعة البرق، حتى أصبح عام 1997 أحد أعضاء قائمة فوربس للمليارديرات العالميين بثروة تتجاوز العشرين مليار دولار، ويسيطر على شركة نفطية عملاقة.
وقد نشرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأميركية منذ أيام لخودركوفسكي مقالًا تحت عنوان «تاريخ روسيا والعصر الحديث: درسي الخاص الذي سيفيد قيادة البلاد»، جاء فيه أن «روسيا ستعاني أزمة نظام في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين»، لأن هذا النظام «مبني على الفساد الشامل والإدارة اليدوية».
ويضيف أن الفطنين وأصحاب المبادرة من الروس الذين يحسنون استشراف المستقبل، يدركون هذا الأمر حق الإدراك، على عكس النخبة الحالية التي تقف عاجزة عن ذلك. ويرى رجل الأعمال السجين أن الجيل الجديد من الساسة الروس الذي سيدخل معترك الحياة السياسية قريباً ينظر إلى العالم نظرة موضوعية، ويراه عالماً ديناميكياً سائراً في طريق العولمة.
وعلى ما يبدو أن الرئيس السابق لشركة «يوكوس» الذي هبطت عليه المليارات فجأة من سماء الفساد في التسعينات قد أصبح منظراً سياسياً واقتصادياً يتنبأ بمستقبل روسيا، ولا يزال متفائلاً على الرغم من وجوده سنوات خلف القضبان، أمثال خودركوفسكي هم المعارضة التي يؤمن بها الغرب ويدعمها في روسيا ويروج لها في إعلامه.
ومنذ أيام خرجت مظاهرة تأييد لخودركوفسكي في شوارع موسكو لا يتعدى المشاركون فيها المائة فرد، وروج لها الإعلام الغربي كثيراً واعتبرها انتفاضة للشعب الروسي، بينما اعتبرها الروس دليلاً على بخل أنصار خودركوفسكي وعدم اهتمامهم به وهو في السجن، لأنهم يستطيعون بأموالهم حشد ألف شخص على الأقل مقابل مائة دولار للفرد.
وماذا تعني مائة ألف دولار لملياردير من قائمة فوربس، بالقطع لا شيء، لكن على ما يبدو أنهم لم يجدوا من يقتنع بالدفاع عن رمز من أكبر رموز الفساد في روسيا، ولا حتى مقابل المال، وهاهو خودركوفسكي بعد أن قضى أكثر من نصف مدة سجنه معرض لمدة سجن أخرى لا تقل عن أربعة عشرة عاماً بسبب قضايا أخرى في الفساد والتهرب من الضرائب.
كاتب أوكراني
vladi1949@mail.ru
