من أوائل الدروس التي تُعطى لمتعلمي قيادة السيارات درس لا يُطبَّق على أرض الواقع إلا نادرًا، وهو درس الحفاظ على المسافة الآمنة، ولا أستطيع أن أقول إنه من أقل الدروس النظرية التي نتعلمها.

في مجال قيادة السيارات بالتحديد، تطبيقًا في الحياة الواقعية أثناء قيادتنا لسياراتنا، لأنني أعتقد اعتقادا يقينيًا أن معظم ما يُعلَّم في الدروس النظرية والعملية قبل الحصول على رخصة القيادة يصبح ذكرى من الماضي بمجرد أن تصبح الرخصة في موقع آمن في المحفظة الشخصية.

حديثي الآن ليس على تردّي مستوى قيادة كثير من الناس، فهذه مشكلة لا أدري كيف يمكن أن تُحلّ ومتى؟ خصوصا أنني ألاحظ أننا كلما تقدمنا في الزمن تصبح القيادة أكثر افتقارًا إلى الجانبين الأساسيين المكملين لبعضهما فيها، وهما العلم والذوق.

فالعلم أو الإحاطة بقواعد السير والمرور شرط أساسي لأي شخص يجلس خلف مقود مركبة أيّا كان نوعها، والذوق والأخلاق الرفيعة في القيادة مطلب ضروري ولا غنى عنه أيضا لذلك الشخص، ولكن من يخرج إلى الشارع في أي وقت من ليل أو نهار سيجد أنهما يكادان يتلاشيان تماما، وكأن المركبات تحرك نفسها بنفسها، دون عقل أو خلق يمتلكهما الجسد القابع على كرسي السائق فيها.

كما قلت، ليس حديثي عن هذا الواقع المرير، بل عن آخر أكثر مرارة منه ربما، ولكنه شديد الشبه بموضوع المسافة الآمنة في القيادة، بل إنه يدور حول هذا الموضوع ذاته، ولكن بين البشر، وليس بين المركبات باختلاف أنواعها.

بعضنا يحرص كثيرا على أن يجعل بينه وبين الآخرين مسافة ما، تشعره بالأمان النفسي، وتمنحه إحساسا مريحا بأنه محصّن وغير مخترق من قِبَل الآخرين، لأن هذه المسافة التي يحرص على إبقائها قائمة بينه وبينهم تعمل عمل السور المخفي الذي يحيط به ويجعله بعيدا عن أعين الفضوليين من الناس، وعن آذانهم التي تكبر وتصغر بحسب ارتفاع مستوى الصوت بجوارهم وانخفاضه، وعن أسئلتهم المستفزة أحيانا، وعن أصابعهم العابثة في كل شيء حولهم أحيانا أخرى.

مثل هذه المسافة لا بد أن تكون آمنة، بمعنى باعثة للأمان بالنسبة للشخص الذي يحرص عليها، وعليها تترتب راحته النفسية، والجسدية تبعا لذلك، لأنه متحكم بالحد الذي يستطيع الآخرون الاقتراب منه والتدخل في شؤونه.

هناك نوع آخر من الناس لا يرتاح بوجود مثل هذه المسافة، ولا يراها آمنة بأي شكل من الأشكال، بل إنه يشعر براحة أشدّ وأمان أكثر حين تُلغى هذه المسافة بينه وبين الآخرين، ويرى أنه محاط بهم دوما، وتحت نظرهم، وهم كذلك، تحت نظره وسمعه وفي متناول يده أنّى شاء.

ولا يمكن أن نجزم بأن أحد هؤلاء النوعين أفضل من الآخر أو أكثر صوابا منه، هو كما يبدو لي اختلاف طبائع فقط، لكن المشكلة تظهر حين يحاول أحد هؤلاء الاثنين التأثير على الآخر كي يغير قناعته في رسم الحدود مع الآخرين، كأن يسعى صاحب المسافة الآمنة لإقناع شخص من النوع الآخر الذي لا يعترف بالمسافات والحدود بين الناس بما يراه صحيحا، أو بما يشعر أنه أكثر أمانا، أو العكس.

هنا تظهر المشكلة، في هذا الموضوع وفي غيره، حين يحاول شخص إسقاط قناعاته على الآخرين، سواء صرّح بذلك أو لم يصرح.

من الممكن أن يحدث شيء آخر أكثر إشكالا وإزعاجا، دون أن يكون هناك إسقاط أو محاولات إقناع، وذلك بأن يقوم شخص بدور حلقة الوصل بين أطراف اختارت أن تحافظ على تلك المسافة الآمنة بينها في علاقتها ببعضها، فيأتي هذا الشخص.

مثلما تأتي إحدى السيارات المزعجة لتحشر نفسها بين سيارتك والسيارة التي أمامك، التي تركت مسافة آمنة بينك وبينها «متعمدا»، وليس لأنك «بطيء» في القيادة مثلا- وتصلك بها رغما عنك، فتثور وترغي وتزبد لكن وحدك في سيارتك المغلقة عليك، لا يشعر بك أي شخص آخر غيرك، وصاحب تلك السيارة المزعجة لا يرى أنه فعل شيئا إطلاقا سوى أنه وجد ثغرة بين سيارتين فسدّها بسيارته، هكذا يفعل بعض الأشخاص «تطوّعا».

وهم في غفلة مطلقة عن قصدك أو نيتك، حين يجدون ثغرة في علاقتك بأشخاص آخرين، ويقومون بكل بساطة بسدّها، لكنهم لا يشعرون أنهم يربطونك قسرا بمن اخترت بملء إرادتك أن تجعل بينك وبينهم مسافة تحميك منهم.

وتبعدك عن خيرهم وشرهم، فتجد نفسك مرتبطا و«مربوطا» بهم دون أن يكون لك خيار في ذلك، ودون أن تملك من أمر نفسك شيئا، إلا أن تغضب غضبة مضرية وتعلن رأيك بصراحة، وهو أمر غير متيسر في كثير من الأحيان لأسباب مختلفة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com