كثيرون يتساءلون عن سبب الاهتمام بالشأن الأمريكي دون غيره، وهم على حق أمام تزايد القضايا الداخلية والعربية، لكن الواقع يفرض صورة أخرى، أي أن الدولة العظمى متداخلة مع العالم بكونها الأضخم والأكبر اقتصادياً، وتقنياً وعسكرياً، وهي الوحيدة التي تتدخل، وتنسحب بجيوشها أو دبلوماسيتها دون أن تخشى أي قوة أخرى..
هذه الحقيقة تفرض علينا الاهتمام بانتخابات الكونغرس، ومجلس الشيوخ وما أثاره الحزب الجمهوري أو أنصاره من تهم بأن الرئيس أوباما إنسان متردد لم يرسل البوارج إلى مناطق التوتر، أو يحاصر الصين اقتصادياً، أو يعزل روسيا، وفي نفس الوقت أن لا يضغط على إسرائيل، ويهتم بزيادة أعداد الوظائف والتغلب على الأزمة الاقتصادية، وتطرف البعض بأنه مسلم، أو أنه ينحو منحىً اشتراكياً يقربه من الفكر الماركسي..
الديموقراطيون على العكس، لا يعارض بعضهم هذه الانتقادات لكنه يعتقد أنها تركة ثقيلة ورثها من بوش الابن كأزمات متواصلة على أي خليفة له، وأن التغلب على هذه المصاعب يحتاج إلى رؤية منصفة، وغير سريعة الغضب، والبتّ في وضع قرارات تعاكس مسيرة تلك الأزمات وتعقيداتها، والمطالبة بحلول مستحيلة..
عربياً وإسلامياً سمعنا الكثير من أوباما حتى بايعه البعض زعيماً لهم، ولكنهم فوجئوا بتمويت تلك الأفكار وتجميدها خلف اهتمامات داخلية، أو دولية حساسة، أو ربما ذهب أوباما للخوف من أن يتحول الاتهام بالانتماء للإسلام إلى حقيقة تجعل القناعة بها، من السواد الأعظم الأمريكي راسخة، مع أن حزب أوباما لو خسر الانتخابات القادمة وتقلصت عضويته، فإنه ليس الأول الذي يواجه هذه القضية، والحكم النهائي قد يظهر مع آخر ولاية للرئيس ليتضح واقع جديد تُبنى عليه قناعات جديدة..
المناصرون لأوباما يعتبرون انتصاره بتمرير قرار الموافقة على الرعاية الصحية عملاً فاق كل الرؤساء السابقين، لكنه اصطدم بقوى تتحرك ولديها نفوذ تريد فرضه بأي أسلوب، ومع أن أمريكا بلد ديموقراطي وحيوي غالباً ما يُخضع أي واقع جديد للتحليل، ثم تجاوزه، فإن الأزمة المالية الراهنة جاءت بغير التوقعات.
بل وفرضت عليها أن تعيد النظر في العديد من السياسات بما فيها الابتعاد عن مواقع اللهب المتصاعد في العالم، وتقليص النفقات على الكثير من المشاريع، ومع ذلك لا تُعزى كل السلبيات لأوباما، إذا افترضنا أن هناك أزمات كبرى متلاحقة لا يستطيع أن يضع لها البدائل إلا بعد مرحلة أطول من السنتين اللتين قضاهما في الحكم، وهذا ليس مبررا إذا ما تأخرت قرارات، أو استُعجل بأخرى دون ضوابط أو قراءات صحيحة لها..
أمريكا ليست قدراً كونياً، ولكنها في كل الحسابات قوة تأثير على العالم في حالة انتكاساتها أو انتصاراتها، والدليل أنه بمجرد أن ارتفعت حرارتها أصيب العالم بالحمى الاقتصادية، ومثلها لو اهتزت أمنياً، وهي حقائق صادقة إن اتفقنا أو كرهنا سياساتها وأفعالها..
