بغض النظر عن نتيجة انتخابات الكونجرس، والتي ستعلن بعد كتابة هذا المقال، فإن مجريات الحملة الانتخابية ذاتها تستحق منا نحن العرب الدراسة والتأمل. فهي تلقي الضوء على طبيعة القوى والجماعات المؤثرة ونوع القضايا التي تشغلها وملامح منظومتها الفكرية. ولعل نجم الحملة الانتخابية هذا العام كان هو تيار حفل الشاي.

فقد نجح هذا التيار في دعم عدد من المرشحين استطاعوا أن يطردوا في الحملة التمهيدية مجموعة من الجمهوريين الأكثر اعتدالا. وسيطر تيار حفل الشاي على مقدرات الحملة النهائية التي تدور بين الحزبين. ونظرا لأن هذا التيار صار له وجود معتبر فقد صار فهمه ضرورة بغض النظر عن فوزه في الانتخابات. فهو باق معنا على الأقل في المستقبل المنظور.

ولأن الحملات الانتخابية عادة ما تكون كاشفة فإن أهم ما كشفت عنه هذه الحملة هو طبيعة الأفكار التي تعتنقها الرموز التي دعمتها الحركة بل وطبيعة الحركة نفسها وما إذا كانت بحق حركة قاعدية تعبر عن نبض الناس.

فقد كشفت الحملة عن أن عددا لا بأس به من المرشحين المدعومين من جانب حفل الشاي يعتنقون أفكارا تعود بأميركا إلى ما قبل الستينات من القرن العشرين حين كانت الهيمنة للبيض على حساب الأقليات التي عوملت وقتها باعتبارها أدنى درجة وتم التمييز ضدها بشكل قانوني.

فأنت تستمع لأولئك المرشحين فتسمع نبرة عنصرية صريحة. خذ عندك مثلا شارون إنجل التي نافست زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ في ولاية نيفادا. فهي شنت حملة فجة في عنصريتها ضد الأميركيين من أصل لاتيني واستخدمت دعاية تليفزيونية يظهر فيها البيض فقط عند الحديث عن «المواطنين الصالحين»، بينما يظهر الملونون كلما كان الحديث عن «المجرمين والمهاجرين غير الشرعيين». وهى طوال الحملة تتهم خصمها الديمقراطي بأنه النصير الأول لأولئك «الخارجين عن القانون» ولا يعبر «عنكم»، في إشارة فجة إلى أن خطابها موجه للبيض.

والمسألة لا تقتصر على مرشحة واحدة، فها هو راند بول مرشح حفل الشاي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية كنتاكى يدعو علنا لإلغاء مادة في قانون الحقوق المدنية تحظر على المؤسسات الخاصة التمييز ضد السود. بل أن أحد مؤسسي حركة حفل الشاي ألقى خطبة طالب فيها الناخبين بهزيمة عضو مجلس النواب كيث أليسون لأنه مسلم.

ومما يلفت الانتباه أيضا في الخطاب السياسي لمرشحي حفل الشاي هو أنه ينطوي ليس فقط على درجة عالية من اليقين الذي لا يجيده سوى الأيديولوجيين الذين يؤمنون بأن أفكارهم لا يأتيها الباطل أبدا وإنما بدرجة عالية أيضا من التسطيح والجهل الفاضح لذلك يتهربون من الحوار مع الإعلام.

لكن الأخطر من هذا كله هو ما انطوى عليه خطابهم من موقف انقلابي على أسس النظام السياسي الأميركي بل والديمقراطية ذاتها. فعلى سبيل المثال رددت شارون أنجل أكثر من مرة طوال الحملة عبارة مؤداها أن التصويت هو «أحد» وسائل علاج ما وصفته «بدكتاتورية الحكم» لكنها أشارت إلى أن هناك «علاجا آخر» بموجب التعديل الثاني للدستور. والتعديل الثاني هو ذلك الذي يمنح الأميركيين الحق في حمل السلاح وتكوين ميليشيات.

وقالت صراحة أن هذا التعديل لا يتحدث عمن يحملون السلاح لأنهم «في الجيش أو في البوليس وإنما يتحدث عنا نحن حين تصبح الحكومة دكتاتورية» ثم أضافت أنها تأمل أن يكون التصويت وليس التعديل الثاني هو العلاج لهزيمة خصمها. والحقيقة أن الانقلاب على النظام والدعوة للعنف تقتصر على مجرد الأفكار بل برزت في الحملة الانتخابية سلوكيات تذهب لما هو أبعد من ذلك..

فقد قام الحرس الخاص لمرشح حفل الشاي في ألاسكا جو ميللر بتقييد صحافي واعتقاله حين حاول الاقتراب من المرشح وإلقاء الأسئلة عليه إلى أن أفرجت عنه الشرطة بالقوة، بينما صورت الكاميرات أحد موالي المرشح راند بول يدوس بعنف على رقبة فتاة صغيرة طرحها حراسه أرضا لأنها كانت تحمل لافتات مناهضة أثناء جولة الرجل الانتخابية.

والأسوأ من هذا كله هو إعلان مدفوع الأجر ناطق بالأسبانية تم عرضه في محطات التليفزيون يدعو الأميركيين من أصل لاتيني للإحجام عن التصويت في نيفادا (حيث تدير ضدهم شارون أنجل حملة عنصرية) بحجة أن أوباما والديمقراطيين لم يحققوا لهم شيئا ومن ثم الأفضل معاقبتهم، بينما الهدف الحقيقي طبعا هو إخراجهم من المعادلة السياسية وحسم المعركة لصالح أنجل.

وقد كشفت الحملة أيضا عن حجم الأموال الطائل التي تنفق من جانب قوى تحجب هويتها لصالح هؤلاء المرشحين. وهو في الواقع أحد تجليات استغلال أصحاب المصالح الكبار للقلق الشعبي المشروع من الأحوال الاقتصادية وتطويعه ليخدم مصالحهم عبر انتخاب من سيقفون ضد أي دور للحكومة في الرقابة عليهم بدعوى بالغة التبسيط هي تقليص الدور الحكومي.

وسواء فاز مرشحو حركة حفل الشاي جميعا أو بعضهم، فالمؤكد أن تلك الحركة، بأفكارها ورموزها فضلا عن المؤسسات التي تدعمها بأموال طائلة، ستؤثر بالضرورة على الساحة الأميركية في الفترة القادمة. فهي ستظل تشكل الإطار الذي يتحرك فيه الحزب الجمهوري- حزب اليمين في أميركا. والسؤال الأهم على الإطلاق سوف يتعلق بالعلاقة بين الطرفين. فهل سيحتوى الحزب حركة الشاي ويرشدها أم ستبتلع الحركة الحزب وتهيمن على مقدراته؟