«ترحب سفارة دولة الإمارات بمواطنيها الكرام وتتمنى لهم إقامة سعيدة.. كما نود تذكير المواطنين الذين لم يسجلوا في خدمة تواجدي بضرورة التسجيل على موقع وزارة الخارجية..»

ليست مبالغة ولا إطراء خارج حدود الإطراء إن زعمنا أن أجمل رسالة تصل إلى المسافر الإماراتي خارج الدولة هي رسالة ترحيب سفارة الإمارات به ما إن تطأ أقدامه مقصده في شتى أنحاء الأرض، متمنية لهم طيب الإقامة وداعية إياه إلى التواصل مع السفارة عند أي طارئ قد يربك رحلته، رسالة ليست تقليدية أو أداء واجب روتيني، بل هي التزام حقيقي من الوطن تشهد له آلاف المواقف المشرفة لمساعدة وخدمة أبنائه في سفرهم وغربتهم في الخارج.

والنظر العميق في أبعاد هذه المبادرة والاحتواء الوطني، يظهر متانة العلاقة بين المواطن والوطن، ورسوخ مبادئ الانتماء فلسفة تعلي شأن الوطن في نفوس أبنائه حتى ليكون فكرة متجذرة ممزوجة بالروح، ويرفع مكانة المواطن في حسابات وطنه حتى ليغدو غاية البناء ومحور النهضة ومنطلق السعي نحو الرقي والتطور. هي علاقة اعتزاز متبادلة، يفخر طرفاها وطناً ومواطناً، بما يقدمه للآخر، ويرتقي طرفاها في مقاييس الولاء والوفاء بمقدار ما يعود به على الطرف الآخر.

وتتلاشى شوائب الأنا والمصلحة الذاتية عند طرفيها حين يكون التعاضد ورعاية المصالح محوراً ينظم سير الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وشتى مناحي الحياة الأخرى. فالوطن حين يجد من أبنائه وفاء لترابه وإنجازاته وحضارته وتاريخه يبادر في إبداع ما يكفل سعادتهم ويضمن كرامتهم ويحفظ منطلقات تطورهم في منظومة التغيرات العالمية، والمواطن هو الآخر حين يجد من وطنه تقديراً لذاته، وإعلاءً لكرامته، وصوناً لحقوقه يسارع إلى بذل ما يملك لرفعة شأنه والإبقاء على شعلة التقدم متوقدة منيرة محروسة بالعقل والوفاء والعمل.

وإذا كانت المواطنة والوطنية نزوعاً انتسابياً جغرافياً إلى المكان الذي يستوطنه الإنسان دولة وعلماً وأرضاً ونشيداً وطنياً، فهما قبل ذلك انتماء فكري له مبادئه العامة، وطقوسه الخاصة، تبدو ثمارها في تبادل الحقوق والواجبات، وتغوص جذورها في معاني الولاء الأصيل والانتساب الفكري والثقافي والهوية الثابتة، ويبنى نسغها المغذي لها الضامن لبقائها من شيوع جوهر العدل الاجتماعي وحفظ حقوق الإنسان وتنميته. ولا شك أنه على ضوء الحفاظ على منظومة الحقوق والواجبات بين المواطن ودولته يصبح الوطن والوطنية هما القيمة الفعلية للانتماء السياسي والثقافي للمواطنين هوية وانتماء ورقياً ووعياً.

وتصبح التحديات المتوقعة كافة قابلة للتجاوز بناء على درجة التلاحم والتبني والحماية المتبادلة، وحينها يبادر المواطن إلى ميادين البناء والعمل والتقدم والتنمية، تحت مظلة العدل والمساواة والحرية المسؤولة التي يسبغها الوطن على أبنائه جميعاً من دون تمييز بينهم بما يعود بالنفع على الوطن والمواطن.

هذه المبادئ لا بد من دوام الدعوة إليها والتذكير بها لاسيما بين صفوف الشباب والناشئة حتى تصل إلى الرسوخ الذي لا يتزحزح، وحتى تبقى فاعلة متوهجة، يسعى الجميع فيها إلى العمل لدفع عجلة التنمية وخدمة الوطن كلٌ في المكان المناسب له، والموقع الذي يجد فيه نفسه وإبداعه، في رداء من النزاهة والإخلاص في العمل والحفاظ على الاستقرار.

وتماشياً مع هذه المنطلقات تحرص الحكومة الرشيدة دائماً على تفعيل التوطين في شتى المهن لتعزيز مبادئ الانتماء للوطن، وتفعيل الوعي لدى المواطن بأهمية الدور المناط به في خدمة البلاد والعمل لها ولاستقرارها، وفتح المجال أمامه للإبداع والإنتاج والنجاح، وإثبات الذات والكفاءة وتطوير الخبرات والمهارات المهنية لإعداد جيل منتج معتز بترابه فخور بحضارته، جدير بثقة أولي الأمر والمسؤولين، ولديه الثقة بنفسه، وبقدرته على اقتحام ميادين المنافسة والتحدي.

وهنا لا بد أن نستذكر مقولة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في هذا الصدد حين قال: «إنني أؤمن بالشباب، ولا بد أن يتولى المسؤولية الشباب المثقفون من أبناء البلاد، فالشباب لا ينقصه الحماسة، وما دام متحمساً ومؤمناً بوطنه فإنه قادر على استيعاب كل جديد، واكتساب الخبرة، ولقد كانت تجربتنا في هذا الميدان ناجحة، وكل ما ترونه الآن في دولة الإمارات هو أولاً من صنع أبنائها، ونحن نسعى جادين إلى تدريب أبنائنا وتعليمهم، وهناك مشروعات كثيرة في حاجة إلى سواعدهم القوية وطاقتهم الشابة».

ولا يزال هذا النهج هو الذي يسير عليه حكامنا حفظهم الله تعالى في تكريس لمبادئ الاعتزاز بالإمارات وأبنائها، وتقديم ما فيه صالحهم وخيرهم، وبالمقابل يفرض هذا التوجه وقفات عطاء من أبناء الوطن تظهر الصورة الحقيقية لمفهوم المواطنة بعيدة عن شوائب النفعية والمصلحة، قريبة من جذوة الأصالة والهوية، في إطار ناصع من تبادل الحقوق والواجبات مهما صغر شأنها أو علا أمرها.