إذا تحدثنا بشيء من الموضوعية، فإن روسيا ليست الحلقة الأقوى في سلسلة السياسة الآسيوية. وعلى الرغم من التقلبات التي شهدتها موسكو على مدى العقدين الماضيين، فإنها لا تزال لاعبا مؤثرا لا يجوز تجاهله في الفضاء الأوروأطلسي.

ولكن مواقفها في آسيا أضعف كثيرا من ذلك، لاسيما على خلفية صعود الصين كقوة عظمى وسرعة تنمية الهند وحتى كوريا الجنوبية والبلدان الطموحة بمنظمة دول جنوب شرق آسيا التي تتميز تنميتها بشيء من الديناميكية. ومن الناحية الاقتصادية، يعد الشرق الأقصى الروسي منطقة متأزمة يجب بذل جهود كبيرة لضمان تنميتها. ومن الناحية السياسية، لا ترى آسيا في روسيا شريكا. لذا تتيح لها المشاركة في مؤتمرات إقليمية عديدة نفوذا اسميا وليس فعليا بدرجة كبيرة.

ويزيد من خطورة الوضع احتمال كون آسيا ساحة استراتيجية رئيسية للقرن الحالي من الناحية الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وإذا لم تتمكن موسكو من توسيع نطاق حضورها في هذه القارة على نحو كيفي، فإنها مهددة بأن تكون لاعبا ثانويا في الصراع بين القوتين العظميين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أي الصين والولايات المتحدة. ويعكس تنامي نشاطها في المنطقة إدراكها للمخاطر المحتملة والبحث عن سبل التصدي لها.

وتحتاج روسيا أولا وقبل كل شيء إلى وضع استراتيجية شاملة تضم تدابير تنمية الشرق الأقصى الروسي وتحديد مواقف روسيا في آسيا بشكل عام، وهما أمران لا ينفصلان. لن تتمكن موسكو من تحقيق تنمية شطرها الآسيوي بدون شركاء أجانب. وتعد مسألة زيادة نفوذ روسيا في آسيا مرهونة بتحسين الأوضاع الداخلية.

وإلى جانب ذلك يجب تنويع الشركاء، إذ ان الاعتماد المطلق على الصين في هذه العملية قد يتسبب في مشكلات سياسية ونفسية على حد سواء. وترددت في روسيا منذ عدة سنوات إشاعات مفادها أن ملايين الصينيين يحتلون سيبيريا، ولكنه تجلى فيما بعد أنها كانت مبالغة فيها على الأقل. ولكن من البديهي أن هناك فجوة اقتصادية متزايدة بين روسيا والصين، مما يشكل خطر إعادة توجه الشطر الآسيوي من روسيا نحو بكين مع بقائها اسميا في اختصاص موسكو.

ولضمان تحقيق التنمية المستدامة يجب ضمان توازن بين المشاركة الصينية واستثمارات ومشاريع من الدول الأخرى كالولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والدول الأوروبية إلخ.

وإذا حققت منطقة آسيا والمحيط الهادئ في القرن الـ 21 لنفسها مكانة أوروبا في القرن الـ 20، فإنها ستشهد تقلبات كثيرة. يذكر أن أوروبا قبل أن تصل إلى حالتها الراهنة، شهدت حربين عالميتين كارثيتين، ومواجهة نظامية كادت ان تتحول إلى صراع مباشر.

وتوجد في آسيا تربة خصبة للتقلبات، وذلك بصدد العداوة التاريخية والنزاعات الحدودية بين أكبر القوى الإقليمية. ويمثل الوضع حول الأمة الكورية المنقسمة خطرا كبيرا. وليس من الواضح كيف ستتطور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، إذ وصلت تبعيتهما المتبادلة وغير المرغوب فيها إلى حد «التصفية المتبادلة المؤكدة».

وقد تتحول إلى مواجهة حادة. ولا توجد في آسيا على غرار أوروبا آليات ضمان الأمن، على الرغم من بعض المشكلات في بنية الأمن الأوروبي. لذا ستُرغم آسيا على إقامتها من نقطة الصفر تقريبا.

وتزيد هذه العوامل مجتمعةً من صعوبة المسائل التي يتعين على موسكو حلها. وستختلف المناهج على الأرجح عن تلك التي تعودت عليها روسيا في أوروبا. وإذا كان الكرملين يتعصب من زيادة النفوذ الأميركي في الفضاء الأوروأطلسي ويسعى لعرقلته، ففي آسيا، قد ترى روسيا في الحضور العسكري والسياسي الأميركي عنصرا هاما للتوازن.