بجناحين من فرح انطلقت، أخيراً، إلى معرض الشارقة للكتاب، لتقديم محاضرة بعنوان «بيع الكتب على امتداد العالم» يلقيها شاب راجو جودو، مدير معرض كولومبو للكتاب، الذي أمضى عمراً بكامله في هذه المهنة، وخرج من العمل في العديد من دور النشر العالمية برصيد مدهش من أسرار العمل في بيع الكتب، يستحق الاهتمام به.

ودراسة إمكانية تطبيقه على الساحة العربية. وقد حرص، قبل أي شيء آخر، على أن ينفي قاعدة استقرت طويلاً في عالم الكتاب في العالم العربي، فهو يقول إن خفض سعر بيع الكتاب كعنصر جذب للمزيد من المشترين ليس إلا سيراً في طريق مسدود، فهناك حدود، بالطبع، لعملية التخفيض، كما أنها تكون على حساب تقليص هامش ربح البائع، والسير فيها يأتي على حساب تخفيض العنصر البشري لدى البائع، وبالتالي تقليص الطابع الإنساني، الذي هو صميم عملية تداول الكتاب.

والحل عنده هو استراتيجية جديدة في التعامل مع الكتاب، تجعله ضرورة لا يستغني أحد عنها، وتدفع أعداداً متزايدة من القراء إلى الحرص عليه والمبادرة إلى اقتنائه.

والحديث، في هذا المجال، يطول حقاً، لكنه يفتح المجال للقول إن التحليق إلى المعرض كان لتقديم هذه المحاضرة، لكي ينفتح الباب إلى العديد من الجوانب، التي تجعل هذا المعرض أياماً من فرح ونور، تقبل مع إطلالة الخريف، حاملة كل ما هو إنساني ورائع ونبيل. في رحاب هذا المعرض، يلتقي أصدقاء وزملاء ومعارف، ربما لا يتاح لهم اللقاء إلا مرة كل عام في غمار هذه التظاهرة الجميلة.

وإني لأعد نفسي محظوظاً، في هذا الجانب، ولو بدأت في سرد قائمة بمن التقيت بهم من الأصدقاء والزملاء لاحتجت إلى أضعاف المساحة المتاحة هنا، لمجرد الإشارة إلى حضورهم البهي، في هذه التظاهرة الثقافية الأجمل.

لكم كنت فرحاً بلقاء الأديب الإماراتي الكبير محمد المر، الذي لا ترد الثقافة في الإمارات إلا مقترنة باسمه، إبداعاً وجهداً وعطاء، غاصت عيناي بالدمع تأثراً، حين عانقت أستاذنا الجليل دكتور جابر عصفور، الذي لم أره منذ عامين كاملين، وكم أسعدني أن أصالح الصديق دكتور خالد عزب، وأن أبادر إلى تهنئته على صدور كتابه «مع ابن خلدون في رحلته»، وأن أحمله التحيات إلى أستاذنا الجليل دكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الاسكندرية.

كان لابد أن يمتد الحديث طويلا مع دكتور علي بن تميم حول إصدارات برنامج «كلمة»، الذي يتولى مسؤوليته، والذي يشكل إنجازاً حقيقياً بثراء أعماله وتعدد اللغات التي ينقل عنها روائعه إلى القارئ العربي.

والحديث يبدأ ثم لا ينتهي مع الصديق الكاتب الإماراتي أحمد راشد ثاني، مشروعاته وكتاباته وأعماله المقبلة، من دون أن أنسى أن أشدد عليه بضرورة عودته إلى جمع ملامح من تراث الإمارات، على نحو ما فعل في سنوات سابقة.

يطل دكتور يوسف عيدابي، وتطل معه ابتسامته الرقيقة وحضوره المميز، ولا ينتهي الحديث معه عن الجميل والمميز من ملامح ثقافة الإمارات.

رغم انشغال الصديق عبدالفتاح صبري في البرامج الثقافية الموازية للمعرض، إلا أن الحديث يمتد معه أيضاً حول جوانب شتى في هذه البرامج، وحول الجديد في إصدارات الدائرة الثقافية بالشارقة. ولعل الحديث عن البرامج والفعاليات الموازية للمعرض يفتح لي المجال لملاحظة وحيدة، هي أقرب إلى نظرة بعيني المحب منها إلى أي شيء آخر. لطالما حرصنا، في سنوات سابقة، على التأكيد على الأهمية الاستثنائية، التي ينبغي أن تحظى بها الفعاليات الموازية لمعرض الشارقة للكتاب.

وليس هناك مجال للشك في أن هذه الفعاليات حظيت في الدورة الحالية باهتمام كبير بكل المعايير، وواكب ذلك اشتراك عدد كبير من أصحاب الأسماء الكبيرة والبارزة في الحياة الثقافية على امتداد العالم العربي في الأنشطة التي دارت تحت سقفها.

غير أننا نتمنى على القائمين على تنظيم هذه الفعاليات أن يبادروا، في الدورات المقبلة للمعرض، إلى تقليل عددها، والتركيز على نوعيتها وقدرتها على استقطاب الجمهور والتفاعل معه بشكل أكبر.

kamel@albayan.ae