منذ «لعبة الأمم» إلى «نهاية التاريخ»، كان السياق الحقيقي الذي يحرك مسار البشر، هو الخط الواصل بين سلسلة ألغاز وخفايا، حركت ونفدت بجلدها من دون مساءلة عن نتائج هذا التحريك، اللهم إلا استثناءات قليلة كان صانعو الألغاز فيها أفراداً «مجتهدين» خارج أجهزة تحترف لعبة المعلومات والإخفاء.
وإن كان المنهج العلمي احتفظ من ديكارت بفضيلة الشك، فان الجزم له مكان هنا، وإلا ماذا يعني في عصر الشبكة العنكبوتية والإعلام الفضائي المفتوح، وجود أرشيف سري مثلا لدى دولة عظمى، تفرج عما شاءت منه كل عشرين عاماً، ويحفل بالعديد من الأسرار، التي لا تعد في حقيقتها أسراراً بما أنها محكية بين الأجيال، لكنها هنا في هذا الأرشيف موثقة.
كل ذلك مشمول في الأرشيف، إلا الأحجيات الاستخبارية، التي تضيع الحقيقة دوما بموت كل من له صلة بها، فهل هناك ما يكفي من الإجابات في الأرشيف الأميركي مثلا عن لغز اغتيال جون كينيدي؟ بالتأكيد لا، فقط ستجد أسرارا عن أولى الخطط الأميركية لسحب البساط من تحت أقدام الإمبراطورية البريطانية في منطقة الشرق الأوسط النفطية.
لم ذلك؟ ببساطة لأن قرارات وإجراءات الدول في الغرب، تخضع لعملية تصنيع طويلة يشارك فيها الكثيرون، من نواب ووزراء ومختصون وخبراء وقانونيون، وهو ما يجعل كتمان السر أشبه بكسر موجة بقشة، بينما الجرائم السياسية يعدها وينفذها قلة يسهل التعتيم على جريمتهم بعد تنفيذها بإرسالهم إلى عالم الظلمات.
على هذا فإن من المستغرب اتهام أميركا مثلا بأنها دبرت 11 سبتمبر، أو اغتيال كينيدي، فهذه الدولة تمتلك من جيوش صنع القرار ما يكاد يجعل أخطر أسرارها عرضة لشبكات التلفزة.
إذن من المتهم في الألغاز التاريخية التي لا تزال تفتش عن إجابة منذ كينيدي مرورا ب11 سبتمبر وصولا إلى رفيق الحريري، وقبلهم سلسلة طويلة من الشخصيات الفلسطينية؟
لا أحد يدري، باستثناء نجاح شرطة دبي في حشر جهاز «الموساد» الإسرائيلي في زاوية الحرج الدولي بعد كشف كل خيوط وتفاصيل جريمة اغتيال القيادي في حركة «حماس» محمود المبحوح.
الاستثناء الآخر يتصل، بحالة طلاق مصلحي، بين جهاز استخباري مهول مثلا، وبين عصابة أو جماعة أو أي تجمع شللي، يرى في التطرف حلا سهلا لمعضلات العصر المعقدة، فيكون فريسة سهلة لهذا الجهاز، ينفذ ما يريده وهو سعيد بوهم الانجاز المبدئي أو العقائدي أو حتى العرقي. عندما تشذ الشلة عن الخط المرسوم من قبل الجهاز، تبدأ عملية الاجتثاث أو الفضح والمحاصرة.
ومرة أخرى، ما يفرز خاطبة للشلة على الجهاز، بالتأكيد هو ضعف وتفتت الوضع الداخلي لأي مجتمع مستهدف، وطغيان الصراع ولغة الإلغاء بين فئاته، هنا تأتي لغة التجارة السوداء: الاستئجار.
لا أعرف أين قرأت مرة أن الساسة في دول مفتتة وزاخرة بالنزاعات العرقية والطائفية، يسهل استئجارهم لكن يصعب شراؤهم، لأكثر من سبب:
أولا: الشراء يقبض المرء الثمن مرة واحدة فقط، بينما الاستئجار مرات عدة.
ثانيا: الشراء يعني التملك التام، بينما الاستئجار ملكية مؤقتة فقط، يمكن تغيير المالك مرات عدة أيضا.
وأخيرا المؤجر نفسه لأي جهاز خارجي يشعر (أحيانا) بأنه وطني، لسهولة التحول الحربائي في المواقف. لكن في كل الأحوال النتيجة واحدة: فقدان الكرامة.
فهلا انتبه من يؤجرون أنفسهم ولو لفكرة غريبة !
Adonis02@hotmail.com