تابعت بكثير من الاهتمام مداولات المؤتمر الدولي الذي انعقد مؤخراً حول خيارات بديلة للطاقة اللاحضورية الذي انعقد في أبوظبي في أواخر سبتمبر المنصرم، بحضور إقليمي ودولي غير مسبوق.
حيث وقفنا على جهود دولة الإمارات العربية المتحدة لمشاركة دول العالم المتحضرة للتحول إلى طاقة المستقبل، الطاقة الخضراء، بإيجاد تقنيات جديدة لتوليد الطاقة المتجددة للحد من الاستغلال غير الرشيد للطاقة اللاحضورية وللاعتماد على طاقة الشمس والرياح.
وذلك في سياق الرؤى المستقبلية التي تسير عليها استراتيجية الدولة الداعية للأخذ بسياسات لتمكين مفاهيم الاستدامة البيئية.
وكما هو معروف أن الشبكة الدولية للطاقات المتجددة تعمل على مدى سنوات لمواجهة تداعيات التقلبات المناخية، لقد جاء تنظيم هذا المؤتمر احتفالاً بالذكرى السنوية العشرين لأول مؤتمر دولي للطاقة المتجددة، وتضم الشبكة (22) دولة، لعل من أهم أهدافها القيام بإجراء دراسات علمية معمقة في مجال التطبيق الفعال للطاقة الجديدة والمتجددة (الطاقة البديلة).
وكان من أهداف الشبكة مساعدة الدول الأعضاء على إنشاء مراكز لأبحاث الطاقة النظيفة والتي يتم دعمها في إطار شراكة استراتيجية مع الأيسكو واليونسكو المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم، والمعروف أن الإمارات بصدد إنشاء مركز أبحاث للطاقة المتجددة أسوة بالمراكز الموجودة بالكويت وسلطنة عمان.
والأمل معقود أن يكون مركز الإمارات مركزاً نموذجياً (Pilot) ليلعب دوراً محورياً ومركزياً في التنسيق بين المراكز القائمة والمراكز المزمع إنشاؤها في كل دول مجلس التعاون الخليجي، وهنالك خيار آخر بأن يلحق المركز المقترح بجامعة البترول والمعادن بالمملكة العربية السعودية.
وكان من أهم نتائج هذا المؤتمر ما أشارت إليه «هيلين بيلوس» المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) ما يفيد أن الاستهلاك العالمي للطاقة المتجددة يصل إلى 18% في الوقت الراهن، وتعتبر الطاقة الكهرومائية من أهم مصادرها، والتي بلغت في عام 2009 نحو 920 غيغاوات، بينما استخدام الرياح لتوليد الطاقة البديلة لم يتجاوز 85 غيغاوات، والطاقة الشمسية الضوئية 21 غيغاوات وطاقة المد والجذر 3 .0 غيغاوات.
إلا أن الأبحاث تشير إلى أن استهلاك العالم من الطاقة المتجددة في المستقبل سيصل إلى 50% من استخدامات الطاقة المتجددة وبحد أقصى بحلول عام 2050، كما أشار رئيس برنامج الطاقة في اليونسكو أن من كبرى التحديات التي تواجهها مجتمعات البلدان في العالم تتركز أساساً في ثلاثة محاور أساسية، لعل من أهمها:
ـ انعدام المساواة بين مدخلات التنمية الاقتصادية ومخرجات التنمية الاجتماعية.
ـ ثم تحديات التدهور البيئي والتغيرات الديموغرافية ( السكانية).
ـ وتداعيات العولمة.
في هذا المؤتمر المهم تمت مناقشة العديد من أوراق العمل التي لا يتسع حيز المقال لتناولها، ولكن لفت نظري الأوراق المقدمة من مستشار الطاقة بالمفوضية الأوروبية ببروكسل ـ بلجيكا عن تحديات الطاقة الخارجية التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي.
أما الدكتورة «باربارا فرحة» الباحثة بمعهد العلوم السلوكية بجامعة كولورادو بالولايات المتحدة فقدمت ورقتها عن سبل استخدام السيليكون في الخلايا الشمسية، ومن جهة أخرى أثارت الورقة التي قدمها «يوشان سبورا» الباحث الأول بالمختبر الوطني للطاقة المتجددة بدنفر الولايات المتحدة الأميركية نقاشاً مستفيضاً، إذ سلط الضوء على علاقة الطاقة بالمساواة في النوع الاجتماعي بين الجنسين (Gender).
ولم يختتم المؤتمر أعماله إلا بعد التداول لساعات طويلة بشأن السبل التي تساعد دول المنطقة على الترويج لمبادئ الأبنية الخضراء في إطار سياسات جديدة للارتقاء بمستوى التخطيط العمراني (Urban Planning).
وتم الاتفاق أن تتولى الشبكة الإقليمية لمراكز الشرق الأوسط التي حالياً تضم قطر والأردن والإمارات للترويج لمفاهيم الأبنية الخضراء عبر مبادرة يكون من أهم أهدافها بناء منصة إقليمية لتدريب المعنيين بتصميم وتنفيذ الأبنية الخضراء في كافة مدن الشرق الأوسط، فضلاً عن تشجيع بقية الدول لإنشاء مراكز متخصصة لأبحاث الطاقة على نحو ما وردت الإشارة حتى يتسنى لهذه المراكز الانضمام إلى عضوية المجلس العالمي للأبنية الخضراء.
والمعروف أن الإمارات من أوائل الدول التي أنشأت مجلسا للأبنية الخضراء في المنطقة والذي تأسس في يوليو عام 2006 وتم اعتماده وقبوله في عضوية المجلس العالمي باعتباره العضو الثامن، ولعل من الجدير بالذكر أن إمارة دبي كانت سباقة في تطبيق السياسات الداعية إلى إنشاء مبان تحمل بصمة بيئية وأبنية خضراء.
إن القيمة العلمية لمثل هذه المؤتمرات الدولية تجعلنا أكثر قرباً من معرفة التجارب الدولية، فضلاً عن تزويدنا بالمعارف والانجازات العلمية التي تحققت في شتى ميادين المعرفة، ولا يبقى علينا إلا الكيفية التي يمكن بها الاستفادة القصوى من الكم الهائل من المعلومات التي احتوت عليها أوراق العمل بإنزالها الى أرض الواقع، لا أن تبقى حبيسة الأدراج والأرفف.
كاتبة إماراتية
moza@bmig.ae