«أبو صالح أنيس لقمان الندوي» اسم ربما لا يثير لديكم فضولاً من نوع محدد عند سماعه، لكنه سيثير في ظني إعجابكم عندما تقرؤون رده على الرسالة التي وصلته من شقيقة أحد الطلبة الذين يدرسون في المدرسة التي يعمل بها، هذا الرد الذي ربما يبدو طبيعيا لو جاء في زمن آخر غير الذي نعيشه، وفي مكان آخر غير الذي نعيش فيه.

لم أكن أنا أيضا قد سمعت عن «أبو صالح أنيس لقمان الندوي» قبل أن أعرف حكايته التي أثارت إعجابي، لكن أولياء أمور الطلبة الذين يدرسون في المدرسة الخاصة التي يرأس قسم اللغة العربية فيها يعرفونه بالتأكيد.

واللغة العربية في مدارسنا الخاصة كما نعرف مظلومة، وحق رؤساء أقسامها، ناهيك عن مدرسيها، غالبا ما يكون مهضوما، لأن المادة التي يدرّسونها لا تلقى الاهتمام الذي تلقاه المواد الأخرى لدى إدارات تلك المدارس، وفي كثير من الأحيان لدى أولياء أمور الطلبة الذين يدرسون في تلك المدارس.

بل ولدى الطلبة أنفسهم الذين هم على دين إدارات مدارسهم وأولياء أمورهم الذين رضوا بهذا المآل للغتهم الأم، استجابة لواقع الحال وقوانين السوق، كي يطمئنوا على مستقبل الأبناء المرهون بإجادة اللغة الإنجليزية، حتى لو تراجعت لغتهم الأم وأصبحت في الصفوف الخلفية، أو اضمحلت تماما وغدت غريبة بين أبنائها.

حكاية «أبو صالح أنيس لقمان الندوي» تتلخص في أن شقيقة «عمرو» المنقول حديثا إلى المدرسة التي يعمل بها الأستاذ «أبو صالح» أرادت أن تطمئن على مستوى تدريس اللغة العربية في مدرسة شقيقها الجديدة، بعد أن لاحظت ضعف تدريسها في مدرسته السابقة التي كانت خاصة أيضا.

فأرسلت بالبريد الإلكتروني رسالة إلى رئيس قسم اللغة العربية بالمدرسة، تطرح عليه فيها مجموعة من الأسئلة تتعلق بطريقة تدريس اللغة العربية لديهم، وأسلوب تقويم الطلبة، واللهجات التي تتحدث بها مدرسات اللغة العربية في الصف، وأمور أخرى ذات صلة بتصحيح أعمال الصف والواجبات المنزلية، وكتب اللغة العربية التي لم يستلمها الطلبة رغم مرور أكثر من شهر على بدء الدراسة، بخلاف كتب المواد الأخرى التي توفرت منذ بداية العام الدراسي!

لكن غلطتها الكبرى، كما يبدو، أنها كتبت رسالتها باللغة الإنجليزية التي تجيدها أكثر من العربية بحكم دراستها هي الأخرى في مدرسة خاصة ثم إكمال تعليمها العالي في دولة أجنبية، ولعلمها أن إدارات المدارس الخاصة تفضل التعامل باللغة الإنجليزية.

حتى لو كان الموضوع يتعلق باللغة العربية أو الفرنسية أو أي لغة أخرى من اللغات الحية والميتة، ولسبب ثالث أفصحت عنه للأستاذ «أبو صالح» عندما عاتبها لاستخدامها اللغة الإنجليزية في رسالتها، وهو أن جهاز حاسوبها لا يحتوي على برنامج للكتابة باللغة العربية.

كما أنه لا وجود لأحرف هذه اللغة على لوحة مفاتيحه، فماذا قال الأستاذ «أبو صالح أنيس لقمان الندوي» في رده الذي جاء درسا من نوع آخر؟ يقول الأستاذ «أبو صالح» في الرد الذي أجتزئ لكم بعض الفقرات منه:

الأخت... الفاضلة..

تحية طيبة وبعد..

أشكرك على الاهتمام بموضوع اللغة العربية، والحرص على استفادة «عمرو» من أساليب التدريس والتقويم الخاصة بها في الصف السابع. ولأن موضوع خطابك هذا هو اللغة العربية، قررت أن يكون ردي عليه بالضاد (ويا حبذا لو كان الخطاب نفسه بهذه اللغة أيضا). وفيما يلي أجيب باختصار عن تساؤلاتك السبعة.

ثم يبدأ الأستاذ «أبو صالح» الإجابة عن الأسئلة بلغة عربية رصينة، حتى يصل إلى سؤال اللهجة فيقول: عندنا معلمات ذوات خبرة وكفاءة من الأردن ولبنان ومصر والإمارات وسوريا وفلسطين. وكما تعلمين فإن البلدان العربية اليوم غنية ب«لهجات» لو استمع إليها سليمان لاحتاج إلى ترجمان!

بيد أنني أحسن الظن بأن زميلاتي يلتزمن باستخدام اللغة العربية الفصحى كأداة للتخاطب وشرح الدرس داخل الصف حسب تعليماتي الواضحة والمتكررة، وأنا لا أدع فرصةً تمر دون التذكير بذلك والتشديد عليه، بل وأسمح لهن بتكسير عظامي، إذا أردن، ولكن لا أتهاون فيما إذا كسرن «المنصوب» مثلاً، وإن كنت لا أستطيع أن أضمن حصول هذا الالتزام 100% أثناء الحصص الدراسية كلها، ليس في المدرسة فقط، بل في أي مكان للأسف!

وهذا ـ طبعاً ـ ليس تبريرًا لما عسى أن يكون «عمرو» يعانيه من صعوبة في فهم كلام المعلمة، فمن حقه أن يفهم كل حرف يقال داخل الصف، ومن واجب المعلمة أن تكلم الطلبة بما يفهمون ويستوعبون، بل ويستمتعون، ليس فيما يتعلق باللهجة فقط وإنما بمفاهيم الدرس ونواتج التعلم كذلك.

ثم ينهي الأستاذ «أبو صالح أنيس لقمان الندوي» رسالته قائلا:

وختاماً لا يسعني إلا أن أكرر شكري وتقديري لاهتمامك باللغة العربية، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن يكثر مثيلاتك، فالعربية في أمس حاجةٍ إلى من يهتم ويعتني بها في كل مكان؛ في البيوت والشوارع، وفي المدارس والكليات والجامعات، وفي المساجد والمعاهد، وفي الدوائر الحكومية والمؤسسات الخاصة، بل وفي مجامع اللغة العربية وجمعيات أنشئت باسمها لأجل حمايتها!

انتهت رسالة الأستاذ «أبو صالح أنيس لقمان الندوي» الذي نسأل الله أن يكثر من أمثاله، لكن أزمة لغتنا العربية لم تنته، طالما أن أمثال «أبو صالح» في مجتمعنا ليسوا كُثرا إلى الحد الذي يطمئننا على لغتنا العربية، وعندما يصبح المدرسون الذين هم في مثل حماس الأستاذ «أبو صالح» وغيرته على اللغة هم الأغلبية في مدارسنا ومجتمعنا، عندها سنطمئن على ألسنة أبنائنا، ونوقن أن أمتنا بخير، وأن مستقبل لغتنا الأم مشرق لأنها في أيد أمينة.

بقي أن تعرفوا أن الأستاذ «أبو صالح أنيس لقمان الندوي» هندي الجنسية، لكنه عربي اللسان والقلب والهوى أكثر من كثير منا نحن العرب للأسف، وصدق من قال: (إنما العربية اللسان).

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com