تثير الوثائق التي نشرها موقع «ويكيليكس» عن الفظائع التي تم ارتكابها في العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003 من الأسئلة بأكثر مما تقدم من الإجابات.
ولعل أول الأسئلة هو ما يتعلق بكيفية « تسرب» 400 ألف وثيقة يفترض أنها سرية من خزائن « البنتاجون» إلى الموقع الالكتروني « ويكيليكس» دون حس ولا خبر، وكأنه لا توجد احتياطات أمنية .
ولا ضمانات للحفاظ على الوثائق، خاصة إذا كان الموقع الالكتروني نفسه قد سبق له إذاعة آلاف الوثائق عن أفغانستان، وإذا كان يعلن أن بحوزته عشرات الآلاف من الوثائق الأخرى التي سيكشف عنها النقاب لاحقاً، إن السؤال هنا : هل تسربت الوثائق أم تم تسريبها ولماذا ؟!
ويقودنا ذلك إلى ردود الفعل بالغة الهدوء من المسؤولين الأميركيين عن واقعه تتعلق بأمن الجيش الأميركي وهو مازال يخوض الحرب سواء في العراق أو في أفغانستان، والملاحظ هنا أن أحداً من المسؤولين الأميركيين لم يشكك في صحة الوثائق بل اكتفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بإدانة عملية التسريب لأن من شأنها «تعريض حياة أميركيين للخطر» وهو نفس الأمر الذي أكد عليه « البنتاجون» الذي وصف التقارير بأنها تقارير ميدانية وسطحية إلى حد كبير، ولكنها قد تكشف أسماء عراقيين يعملون مع الولايات المتحدة وتعطي لمتمردين العراقيين فكرة نافذة إزاء العمليات الأميركية.
علي الجانب الآخر اكتفي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الساعي للاحتفاظ بموقعه والذي اتهمته الوثائق باستخدام أجهزة خاصة تحت إشرافه في ارتكاب جرائم اعتقال واغتيال وتعذيب، اكتفي باعتبار نشر الوثائق « انتقائيا» واعتبر الضجة التي يثيرها خصومه حول الوثائق محاولة لضرب جهوده التي كادت تحقق هدفه في الاحتفاظ بموقعه في رئاسة الوزارة!
أما إيران التي اتهمتها الوثائق بدعم وتسليح الميلشيات الموالية لها والمشاركة في المذابح التي تمت، فقد اكتفت بوصف الوثائق بأنها « شيطانية» ثم مضت في جهودها لترتيب الأوضاع في العراق بما يتوافق مع مصالحها ويوسع نفوذها ويحفظ لها موقعها الذي تحتله الآن باعتبارها اللاعب الإقليمي رقم 1 في العراق المنكوب.
تعطي الوثائق صورة بشعة ل« حمام الدم» الذي غرق فيه العراق منذ الاحتلال الأميركي، وتكشف أسراراً عن الصراع بين أميركا وإيران على مستقبل العراق وكيفية تسليح « كتائب الموت» التي شنت حرباً طائفية لم تتوقف، وتقدر الضحايا منذ الاحتلال عام 2003 بما يقارب 285 ألف عراقي بينهم 109 آلاف قتيل حوالي ثلثيهم من المدنيين.
أرقام مخيفة ولكنها لا تقارن بأرقام أخري قد تكون أقرب إلى الصحة، منها ما نشرته المجلة البريطانية العلمية الموثوق بها « ذي لانسيت» والتي قدرت عدد القتلى حتى عام 2006 بحوالي 655 ألف عراقي وهو ما يعني أن الضحايا قد جاوزوا الآن المليون، بالإضافة إلى تهجير ربع الشعب العراقي هرباً من المذابح!
والملاحظ في الوثائق التي نشرها موقع « ويكيليكس» هي تركيزها على الجرائم البشعة التي تمت بعد سقوط النظام السابق، دون التركيز على عملية الغزو التي قامت بها القوات الأميركية وحلفاؤها والتي أحيطت العمليات فيها بالتعتيم الكامل والتي تم فيها استخدام الادعاء الكاذب بامتلاك النظام السابق في العراق أسلحة دمار شامل يمكن استخدامها خلال خمسة وأربعين دقيقة كما أعلنت أميركا رسميا على منبر الأمم المتحدة.
وليس فقط لتبرير الغزو والاحتلال، وإنما لاستخدام أسلحة أميركية محرمة دوليا، وتجربة أنواع جديدة من الأسلحة النووية التكتيكية، وعدم الاكتفاء بهزيمة الجيش العراقي الذي كان يخوض معركة غير متكافئة على الإطلاق، بل تحقيق التدمير الكامل للعراق كدولة وإعادتها إلى القرن التاسع عشر كما صرح قائد الغزو الأميركي يومها الجنرال شواريسكوف.
ما كشفته وثائق «ويكيليكس» رغم بشاعته هو توابع الجريمة الكبرى التي بدأت بغزو العراق وتدميره. والتفاصيل التي يرويها الجنود الأميركيون في هذه الوثائق تكفي لإقامة 40 دعوي أمام المحكمة الجنائية الدولية كما يقول صاحب موقع « ويكيليكس».
ولكن شيئاً من ذلك لن يحدث في المستقبل المنظور على الأقل. فلا مجلس الأمن سيحيل الأمر للمحكمة الدولية، ولا دولة من أعضاء المحكمة ستطلب ذلك، ولا المدعي العام «الغضنفر» سيجرؤ على محاكمة سيكون على رأس المتهمين فيها الرئيس الأميركي السابق بوش ونائبه تشيني ووزير دفاعه رامسفيلد ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بلير كمجرمي حرب حقيقيين خططوا لتدمير العراق .
كما أصبح ثابتاً قبل سنوات من الحرب، واتخذوا قرار التنفيذ منذ اليوم الأول لدخول بوش الابن البيت الأبيض وقبل أحداث 11 سبتمبر، وأشعلوا الحرب وهم يعرفون أنها غير مشروعة وكذبوا على العالم وهم يعرفون أن العراق لا يملك أي أسلحة للدمار الشامل، ولم يكتفوا بهزيمة الجيش العراقي بل حرصوا على التدمير الكامل لدولة عربية كبري من اجل مصلحة إسرائيل وتحت وهم بناء الإمبراطورية الأميركية الأعظم في التاريخ.
الإجراء الوحيد الذي تم رداً على نشر الوثائق هو صدور الحكم بإعدام طارق عزيز وزير خارجية النظام السابق، بينما تتم خطوات التوافيق بين واشنطن وطهران على إبقاء المالكي في رئاسة الوزارة، التحضير لاقتسام النفوذ بعد انسحاب الجيوش الأميركية (أوعلي الأصح إعادة تمركزها)، أما العرب فيكتفون بقراءة الوثائق، ثم يلعنون الأيام، ويتلون الفاتحة على مئات الألوف من الضحايا الذين سقطوا، والذين سيسقطون!!
كاتب صحافي مصري