يدور الحديث في روسيا الآن حول ضرورة التغيير عن طريق التحديث، ويتساءل الكثيرون عن مشاريع التحديث في روسيا، أين هي ومن القائمين عليها في النظام الحاكم، هل هي الحكومة التي يرأسها فلاديمير بوتين، أم الكريملين الذي يجلس فيه الرئيس ديمتري ميدفيديف؟

وجدير بالذكر أن مصطلح «التحديث» لم يكن له وجود على الساحة في روسيا طيلة السنوات الثماني لحكم الرئيس بوتين، ولم يبدأ طرح هذا المصطلح إلا قريباً منذ نحو عامين على لسان الرئيس ميدفيديف، والتحديث الذي يقصده الرئيس ميدفيديف في روسيا يتناول الابتكارات العلمية والتكنولوجيا والعلوم الحديثة.

حيث يرى ميدفيديف أن روسيا رغم إنجازاتها الهائلة في الحقبة السوفييتية إلا أنها ظلت متخلفة علمياً وتكنولوجياً بالمقارنة، ليس فقط بدول الغرب الصناعية الكبرى، ولكن حتى بدول نامية حديثة مثل كوريا الجنوبية والبرازيل ودول شرق آسيا.

ويرى أيضاً أن روسيا بدأت تخطو خطوات نحو التحديث مع مطلع الألفية الثالثة لكنها خطوات بطيئة للغاية لا تتناسب مع تطور التقنيات الحديثة السريع للغاية في العالم، ويرى ميدفيديف أن روسيا اعتمدت في تحقيق إنجازاتها الكبيرة خلال الأعوام العشرة الماضية فقط على عائداتها من تصدير الخام من ثرواتها الطبيعية، وخاصة النفط والغاز، وهو الأمر الذي يصعب استمراره والاعتماد عليه كثيراً.

البعض يرى في مثل هذا الحديث تقليلاً وحطاً من شأن الإنجازات الكبيرة التي حققها رئيس الحكومة بوتين طيلة السنوات الثماني من حكمه لروسيا، هذه الإنجازات التي أكسبته شعبية لم يحظى بها حاكم من قبل في روسيا منذ عهد بطرس الأكبر، كما يرى البعض في هذا الحديث حول التحديث اتهامات لبوتين بالتخلف والرجعية وأن سياساته وأساليبه لا تتناسب مع العصر الحديث، وأنها تعود بروسيا للعهد الستاليني الذي خلق فيه ستالين دولة عظمى لكنها متخلفة عن العالم.

البعض يرى أيضاً أن الحديث عن عملية التحديث يأتي في إطار الصراع والتنافس على الرئاسة القادم عام 2012، وأن الرئيس ميدفيديف يسعى لأن يطرح نفسه كوجه للمستقبل وأن خصومه يمثلون الماضي.

أياً كانت هذه الآراء التي حصرت قضية التحديث في إطار الثنائية التقليدية «بوتين وميدفيديف»، فإن قضية التحديث في روسيا أكبر وأبعد من ذلك بكثير، حيث ان الخبراء والمحللين يتفقون على أن التحديث لا يأتي بقرار من أعلى، بل يأتي من أسفل، من القواعد الشعبية، وإذا كان الشعب نفسه غير مستعد للتحديث فلا جدوى حتى من طرح القضية.

حيث يرى البعض أن الشعب لا يهمه قضية التحديث بقدر ما يهمه أن تكون روسيا قوية وغنية في نفس الوقت، وهذا الأمر تحققه عائدات بيع الثروات الطبيعية من النفط الخام والغاز وغيرها، ولا داعي لتبديد هذه الثروات في عمليات لا تعود على الشعب بعائد سريع ومباشر مثل قضية التحديث وغيرها من القضايا التي يشك الشعب الروسي دائماً في مصداقيتها، خاصة بعد تجارب فترتي جورباتشوف ويلتسين.

رئيس معهد التنمية المعاصرة لدى الرئاسة الروسية إيغُور يورغنس في يرى أن مهمة التحديث التي بادر لطرحها الرئيس ميدفيديف ليست بالمهمة البسيطة أبداً، ومن العقبات الرئيسية أمام حلها أنها لا تحظى باهتمام غالبية النخبة، وأن مسائل تطوير العلوم والتقنية والابتكار لا تلقى تفهماً كبيراً من قبل الشعب الروسي الذي يظن أن الثروات الطبيعية التي تتمتع بها البلاد كافية لعملية التنمية.

ويرى يورغنس أنه لا يكفي لإنجاح عملية التحديث في البلاد إرادة الرئيس، أو إرادة رئيس الحكومة، أو حتى مقدار كبير من الاستثمارات، طالما إن الرأسمال البشري لم ينضج بعد لهذه القضية.

ويرى يورغنس أنه من الضروري أن تقام في البلاد شتى أنواع المؤسسات الاجتماعية والسياسية كالنقابات والأحزاب وغيرها. وإن توفير كل هذه الظروف من أجل عملية التحديث سيستغرق بعض الوقت.

ومن ناحية أخرى يلفت يورغنس الانتباه إلى ظاهرة إيجابية ظهرت في روسيا مؤخراً تتمثل بتشكل طبقة وسطى صغيرة نشطة منسجمة مع الطبقة الوسطى في الغرب. أما حجم هذه الطبقة فيبلغ حسب التقديرات المتشائمة حوالي 7% من السكان، بينما تفيد التقديرات المتفائلة أن هذه النسبة تصل إلى 20%. ويرى الخبراء إن الطبقة الوسطى الروسية الناشئة تشكل مصدراً كافياً لانطلاق العمليات التقدمية نحو التحديث.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru