إيقاع المذابح في المدنيين العزل هي إحدى أدوات الإرهابيين على مر التاريخ لنهب الأراضي والممتلكات ، وإرغام من يتبقى حيا من أصحابها إلى الهرب بأرواحهم الى اماكن آمنة. وكان ـ ولا يزال ـ هذا هو منهج الاسرائيليين في التعامل مع الشعب الفلسطيني ، منذ ما قبل عام 1948.
واشتهرت أسماء عصابات إرهابية يهودية في مجال قتل الفلسطينيين وتدبير أعمال الانفجارات وإطلاق النار التي شملت حتى جنسيات غير فلسطينية كالبريطانيين وبعض الشخصيات الدولية التي تتوسط في عملية التسوية، ومن هذه العصابات (الهجاناة) و(شترين) و(جولد شتاين) .
ومذبحة كفر قاسم هي واحدة من أشهر المذابح التي ارتكبتها هذه العصابات لإرغام الفلسطينيين على الهجرة وترك اراضيهم وممتلكاتهم ، وتزامنت هذه المذابح مع مساع دبلوماسية بالتواطؤ مع انصار قيام إسرائيل في الغرب لمواصلة حملات التهجير القسري للفلسطينيين حتى يومنا هذا. فضلا عن محاولات التمييز ضد العرب الذين لم يخافوا ولم ينزحوا وعاشوا على أرضهم، ليحيوا امس الذكرى الرابعة والخمسين لمذبحة كفر قاسم التي وقعت في التاسع والعشرين من اكتوبر عام 1956.
وفي مقدمة من شارك في الاحياء اهل كفر قاسم انفسهم الذين يعلنون عن انفسهم في كل مناسبة مماثلة وأنهم مازالوا هناك في قرية كفر قاسم ولم يبرحوها، مثلهم مثل كل من عاش وقاوم ورسخ أقدامه في تراب ارضه رغم ما يتلقى من ضربات ، وما يحاك ضده من مؤامرات كذلك يتم احياء ذكرى كل مذبحة في موعدها ، لتذكير العالم بحجم معاناة الشعب الفلسطيني وبحجم الظلم الواقع عليه ولتذكيره ايضا ببطولة وصمود هذا الشعب المقاوم.
لقد أدت المواقف المتخاذلة للمجتمع الدولي والمنظمة الدولية إلى تشجيع الاسرائيليين على الاستهانة بدماء الشعب الفلسطيني ومطاردة قياداته وقتلهم مع كل بادرة سانحة سرا وجهرا، بينما يصدح السياسيون الدوليون والوسطاء في التسوية بعبارات رنانة من الشجب والتنديد وإبداء الحماس المزعوم لوضع تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، لا تعد وكونها دخانا في الهواء.
وقد راهنت إسرائيل دائما على عامل الوقت لاستئصال الشعب الفلسطيني لكن توالت المفاجآت ، ليس لاسرائيل وحدها بل للعالم أجمع، وهو يرى دماء الفلسطينيين عقب كل مذبحة وقد أنبتت مقاومين جددا، رغم تكالب العالم كله مع إسرائيل للضغط عليهم كي يستسلموا ويفرطوا في حقوقهم، وارتضى الوقوف موقف المتفرج مستندا الى مزاعم الحلول عن طريق المفاوضات (الثنائية) بين الفلسطينيين والاسرائيليين فقط.
وربما يشكل تبني لجنة المتابعة العربية العليا في إسرائيل لتظاهرة إحياء ذكرى مذبحة كفر قاسم امس في القدس بارقة أمل ان يتعاظم الدور العربي خارج حدود اسرائيل ليعبر عن الثقل العربي الحقيقي في القضية الفلسطينية، إلا ان الموقف العربي لا يزال دون المأمول، كما أن الانشقاق الفلسطيني قد اضاف عنصر إضعاف للقضية، ولابد من توسيع نطاق الأمل في أن يبادر العرب داخل فلسطين المحتلة وخارجها الى مزيد من الاستمساك بأصول القضية الفلسطينية لإحباط الرهان الاسرائيلي على عنصر الزمن وعلى إنهاك الجانب العربي حتى يستسلم للمذبحة الأكبر، وهي إقامة دولة يهودية خالصة لا تستوعب السكان العرب الاصليين. وان يبادر الفلسطينيون للتصالح فيما بينهم حتى يمكن التوجه للأمم المتحدة وإعلان قيام الدولة الفلسطينية وفاء لدماء شهداء كل المذابح التي ارتكبها الصهاينة على مدى اثنين وستين عاما من عمر مأساة فلسطين.
