أوضاع العراق تقف شاهدا على عدم وجود موقف دولي واضح من قضايا الشرق الأوسط ، وما ينبغي أن يكون عليه هذا الموقف من التداخلات والصراعات وأيضا التجاوزات التي تقع في المنطقة ثم يتم إغماض العين عنها ما دامت لا تلقى رضا الولايات المتحدة أو مادام ضحاياها ليسوا مدرجين على القائمة الأميركية للدول أو الشخصيات المرضي عنها .

قضية إعدام طارق عزيز واثنين من قيادات البعث السابق ليست أول نموذج للسلبية والتناقض والخذلان الذي يتخذه المجتمع الدولي من القضايا العربية ومعاناة شعوبها بوجه عام ولن تكون آخر نموذج أيضا .

إنه نوع من الخذلان للمباديء الدولية التي ينبغي أن تكون عليها علاقات الدول فقد تكاثرت الدول والمنظمات الدولية التي تطالب بمنع تنفيذ الإعدام (لأسباب إنسانية) فضلا عن موقف الفاتيكان الذي يأمل هو الآخر بعدم تنفيذ الحكم .

انهم الآن يطالبون بوقف تنفيذ الحكم وهم قد شاركوا على نحو أو آخر في غزو العراق من قبل وإيصال شعبه إلى ما وصل إليه من دمار وخراب وقتل وتشريد مرة باسم إخلائه من أسلحة دمار شامل مزعومة ومرة بزعم وضعه على سكة الحرية والديمقراطية .

فلم توجد دولة أو منظمة أو هيئة دولية تتحدث عن مدى تطبيق القانون في العراق بشأن صدور مثل هذا الحكم على عزيز بما فيها الأمم المتحدة التي طالب أمينها العام بان كي مون العراق بعدم التنفيذ ، ليس لأنه يرى أن الحكم غير دستوري نظرا لعدم وجود حكومة أو تصديق البرلمان ورئاسة الدولة عليه ، ولكن مطلب مون يأتي لأن الأمم المتحدة لا تعترف بعقوبة الإعدام أصلا .

ورغم أن طارق عزيز لم يكن له دخول مباشر في القرارات العسكرية التي كان يصدرها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ، حيث كان اهتمام عزيز منصبا على الشؤون الخارجية ومحاولات تحسين علاقات بغداد مع الدول الأخرى إلا أن ذلك لم يشفع له كما لم يشفع له استسلامه للقوات الأميركية وبذلك يعتبر أسير حرب لا يجوز إعدامه بموجب القانون الدولي إن الذكاء السياسي يقتضي أن يعمل السياسيون بشكل استباقي لمنع كارثة اما أن يتواطأوا عليها أو يسكتوا عنها حتى تقع ثم يدينوا ويشجبوا فهذا ما لا يليق بهذه الشخصيات التي تطالب اليوم بإنقاذ عزيز وهم الذين سلموه الى خصومه كما سلموا غيره من قبل والمحصلة العامة او الدروس المستفادة ليس من الحكم باعدام طارق عزيز وانما من تدمير العراق بشعبه وحضارته هي ان الاستناد الى موقف المنظومة الدولية من أية قضية عربية لن يكون إيجابيا في ظل توازنات القوى السياسية والعسكرية القائمة حاليا في المنطقة والعالم .

وربما هذا الاستشعار المبكر هو الذي دفع تركيا الى شطب سوريا وايران من قائمة الدول المهددة للأمن القومي التركي ذلك لأن انقرة استشعرت بالفعل على نحو استباقي مخاطر جسيمة تحدق بالمنطقة مستخلصة العبر من مسارات الأحداث غير المواتية للعرب والمسلمين عموما ومن ثم وجب الحرص من العواقب التي قد تترتب على محاولات تغيير خارطة المنطقة حسب ما يرى كثير من المراقبين لشئون الشرق الأوسط وأحداث العراق وفلسطين تحديدا تؤكد ان ثمة ما يجعل هذه التوقعات قابلة للتنفيذ .

ولعل الأطراف الأخرى الإقليمية والدولية تستشعر مثل هذه المخاطر في وقت استباقي وتبادر الى معالجة صدوع المسارات والسياسات التي تدور فيها جهود إرساء الأمن والاستقرار في المنطقة ، وهي جهود لم تؤت ثمارها حتى الآن ، وهذا ما يزيد قلق العديد من عواصم المنطقة والعالم وأوضاع العراق الآن خير شاهد .