في نوفمبر المقبل سيكون للرئيس الأميركي باراك أوباما جولة يقوم خلالها بزيارات رسمية إلى عدد من الدول الآسيوية من بينها الهند. وإلى أن تنتهي الجولة ويعرف العالم نتائجها من الوسائل الإعلامية العالمية يبقى هذا خبرا عاديا.
ولكن ما يعتبر غير عادي حتى قبل أن يشرع الرئيس في زياراته هو أن باكستان مستثناة من هذه الجولة. فهل هناك إساءة أبلغ من هذه توجه إلى الدولة الباكستانية حكومة وشعبا؟
ولكن لماذا تتقبل قيادة السلطة الباكستانية هذه الإهانة إذا أخذنا في الاعتبار أن ما بين باكستان والولايات المتحدة علاقة تحالف استراتيجي تتجسد بالدرجة الأولى في مشاركة باكستانية في الحرب الأميركية العالمية على (الإرهاب).
بما يكبد باكستان استنزافا ماليا دفع بالاقتصاد الوطني الباكستاني إلى حافة الإفلاس؟
نبأ الإعلان عن الجولة المرتقبة للرئيس الأميركي صدر عن البيت الأبيض على هيئة بيان رسمي.
وحين صدر البيان كان في واشنطن وفد باكستاني رسمي بقيادة وزير الخارجية جاء للمشاركة في حوار دبلوماسي رسمي بين باكستان والولايات المتحدة في إطار الشراكة الاستراتيجية. وبينما ورد في سياق البيان بصورة صريحة التأكيد أن الجولة الرئاسية المقررة لن تشمل باكستان، أورد أيضا أن الرئيس الأميركي سوف يزور تلك الدولة في وقت ما خلال العام المقبل 2011م.
هنا يطرأ تساؤل: لماذا لم ينسحب الوفد الباكستاني الرفيع من مائدة الحوار كرد على الإهانة الأميركية الرسمية؟ بل على النقيض من ذلك امتدح رئيس الوفد الباكستاني شاه محمود قرش وزير الخارجية (موافقة) الرئيس الأميركي على أن تكون زيارته لباكستان في السنة القادمة.
بالطبع لم يكن للوزير الباكستاني أن يتخذ هذا الموقف الواهن لولا أنه تلقى ضوءاً أخضر من إسلام أباد.هذا يقودنا إلى تساؤل ثانٍ: ما طبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تربط باكستان بالولايات المتحدة؟ أو بالأحرى كيف تنظر واشنطن إلى هذه العلاقة؟
لن نظفر بإجابة شافية عن هذا التساؤل ما لم نأخذ في الاعتبار العلاقة الاستراتيجية الأخرى التي تربط ما بين الولايات المتحدة والهند. إنها علاقة تشبه الشراكة الأميركية مع إسرائيل ضد الفلسطينيين.
بين الهند وباكستان عداء مستحكم تاريخيا ناشئ عن التنازع بشأن وضع إقليم كشمير الذي يتكون من كتلة بشرية إسلامية تخضع لاحتلال هندي هندوسي ويطالب أهل الإقليم المسلمون بالاستقلال عن الهند إما لإقامة دولة إسلامية مستقلة أو الانضمام إلى باكستان الإسلامية.
من منظور الحرب على (الإرهاب الإسلامي) تساند الولايات المتحدة الموقف الهندي ببقاء الحالة الاحتلالية الهندية. وتضاعفت هذه المساندة الأميركية بعد أن نشأت علاقة صداقة حميمة بين الهند وإسرائيل.
لكن واشنطن تذهب أبعد من ذلك. فبينما هي تدعم الهند الهندوسية اقتصاديا وعسكريا فإنها تريد أيضا دورا لباكستان الإسلامية في محاربة الجماعات الإسلامية في الداخل الباكستاني نفسه بما في ذلك المنظمات التحررية الكشميرية.. وأيضا في أفغانستان على الجوار الجغرافي.
وهكذا تضع الإدارة الأميركية أي حكومة باكستانية في حرج ازدواجي. فالقضية الكشميرية هي الهاجس الوطني الأعظم لكافة الباكستانيين جيلا بعد جيل على مدى أكثر من 60 عاماً حتى الآن.
ولذا فإنه حتى لو اتجهت الحكومة نحو شن حرب شاملة على الجماعات المحلية المسلحة فإنها لن تجد تجاوبا كاملا من المؤسسة العسكرية النافذة. فالعقيدة القتالية التي يتربى بها الجيش الوطني على مدى الأجيال استعادة الشرف القومي بتحرير إقليم كشمير وبسبب ذلك خاضت باكستان ثلاث حروب مع الهند.
أما فيما يتعلق بالمشاركة الباكستانية في الحرب الدائرة بين القوات الأميركية (ومعها القوات الغربية الأخرى) ضد قوات حركة طالبان الأفغانية فإن الأمر أكثر تعقيدا.
قادة حركة طالبان وكوادرها القتالية ينتمون إلى قبيلة البشتون التي تمثل أكثر من نصف سكان أفغانستان. وجموع هذه القبيلة الكبرى موزعون على جانبي الحدود الأفغانية ؟ الباكستانية.
من هذا المنظور فإن مشاركة باكستانية عسكرية في الحرب ضد قوات طالبان تعني بالضرورة أمرين، أولا: أن تسحب باكستان قواتها المرابطة على الحدود مع الهند (تحسبا لاندلاع حرب باكستانية ؟ هندية) لنقلها إلى المنطقة الحدودية مع أفغانستان، ثانيا: أن يقاتل جنود الجيش الباكستاني أبناء عمومتهم في المنطقة الحدودية.
وهذا ما لا تريد أن تفهمه واشنطن وأسوأ من ذلك أن ضغوط الولايات المتحدة على السلطة الباكستانية برئاسة آصف زرداري لا تتوقف وأسوأ الأسوأ أن هذه السلطة تتجاوب من حين لآخر مع هذه الضغوط.
ومن المؤسف أنه بينما الولايات المتحدة الطرف الأكثر حاجة إلى الطرف الآخر فإن السلطة الباكستانية لا تتلقى من واشنطن مكافآت اقتصادية بما يرقى إلى مستوى تضحية الجانب الباكستاني.هذا هو الضعف المزري الذي يغري باراك أوباما باستثناء باكستان من جولته الآسيوية استرضاءً للهند.
كاتب صحافي سوداني
hisham200775@yahoo.com