إن البلدان الغربية لا تفكّر اليوم، في مواجهة الأزمة الأكبر التي واجهتها منذ أزمة سنوات الثلاثينات المنصرمة، سوى بأمر واحد هو أن تستعيد ما يكفي من النشاط كي تضع اقتصادها على السكّة الصحيحة وتخلق فرص العمل.

وفي سياق هذا البحث المحموم عن النمو الاقتصادي وما يحيط فيه من منافسة شرسة تجد فرنسا نفسها في السباق وهي تحمل على ظهرها ثقلاً من الأحجار يتمثّل في الإضرابات والمظاهرات وتعطيل وسائل النقل وشحّ البترول في محطات التوزيع مما يشلّ البلاد منذ عشرة أيام.

ما يؤكّده الخبراء هو أن هذه الحركات لن تؤثّر سوى قليلاً على الاقتصاد في نهاية المطاف ،شريطة أن لا تستمر. إنهم قد يصيبون عندما يصدرون مثل هذه الآراء اعتماداً على السوابق لعام 1995 وعام 2007. لكن الحواسيب في وزارة الاقتصاد لا تقيس كل شيء. ولا تقيس خاصّة الهمّ اليومي لملايين الفرنسيين الذين لا يأملون سوى ممارسة أعمالهم.

في السياق الحالي هناك في عموم فرنسا شركات متوسطة وحرفيين وتجّار يخسرون عقودا وينخفض رقم أعمالهم ولا تصلهم مشترياتهم بسبب عدم القدرة على التحرّك أو التزوّد بما هو مطلوب. وهناك ورشات تعطّلت وأسفار أُلغيت وطلبات تأجّلت.

وبالنسبة لعدد كبير من الفاعلين الاقتصاديين الذين لا يحسبون وقتهم ولا يوفرون طاقتهم يواجهون كل يوم مشاكل على صعيد ما ينبغي عليهم دفعه. الأكثر هشاشة منهم يجدون أنفسهم مدفوعين نحو إغلاق ورشاتهم وتوقيف نشاطاتهم.

وهذا يعني أن عشرات الآلاف من العاملين سيجدون أنفسهم ضحايا ويعانون من البطالة «التقنيّة» بانتظار عودة «الأوضاع الطبيعية». هذه هي الحالة الحقيقية للبلاد التي لا يصفها أي تقرير رسمي في هذا الخريف الكئيب لعام 2010.

وليست هناك أيّة إحصائية عن المركز الوطني للإحصاء قادرة على أن ترسم الصورة المأساوية لصورة فرنسا في الخارج حيث جرى في جميع الحالات بدون استثناء تأخير السن القانوني للتقاعد عدّة أعوام دون أن يثير ذلك مأساة.

والمستثمرون الأجانب يترددون كثيرا عن توظيف نشاطاتهم في فرنسا عندما يرون ما يجري أمام عيونهم. وينبغي فهم موقفهم إذ ما يمكن أن يجول في أفكارهم عندما يرون بلدا يستطيع فيه حفنة من المتطرّفين تعطيل جميع المصافي ويحاصرون جميع مستودعات التخزين ويشلّون الحياة الاقتصادية، دون عقاب؟.

إن فرنسا، وفيما هو أبعد من التقديرات الرسميّة، لم تنتهِ من دفع ثمن التوتر العصبي الذي تعيشه.