تستحق واقعة طرد إعلامي أميركي من وظيفته بعد أن أساء للمسلمين أن نتأمل ملابساتها وندرس دلالاتها. ففي الأسبوع الماضي قامت محطة الإذاعة العامة الأميركية والمعروفة اختصارا باسم إن بى آر بإنهاء تعاقد وان ويليامز الذي يعمل بها بعد أن أساء للمسلمين حيث قال: من على منبر محطة فوكس نيوز التي يعمل بها أيضا أنه حين يركب الطائرة ويرى «أناساً بالملابس الإسلامية ويعتبرون أنفسهم مسلمين أولا وقبل كل شيء، فإنني أشعر بالقلق».
وقد جاءت كلمات وليامز وسط وصلة طويلة من المقولات العنصرية الفجة ضد المسلمين جاءت على لسان مقدم البرنامج بيل أورايلى المشهور بجهله وتعصبه ليس فقط ضد المسلمين وإنما ضد أقليات أخرى. وقد قامت الدنيا ولم تقعد بعد طرد وليامز. فقد دافعت كثير من رموز اليمين عن الرجل ودعت إلى وقف التمويل الفيدرالي للمحطة الإذاعية.
أما قناة فوكس فقد دافعت بشدة عنه واعتبرته شهيدا لحرية الرأي وضحية المسلمين ثم ما كان منها إلا أن أبرمت معه عقدا بمبلغ 2 مليون دولار، في تحد واضح لكل من سعوا لإدانة ما قاله. لكن الحقيقة أن قصة وليامز لها أبعاد أخرى يبدو معها أن قرار إن بى آر بطرده كان قمة جبل الثلج في علاقة ممتدة انتهك فيها الرجل قواعد العمل بالمحطة، فكان ما قاله مؤخرا في حق المسلمين ربما بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت للإسراع باتخاذ القرار بفصله.
فوليامز الذي يعمل في إن بى آر منذ عشر سنوات يعمل أيضا في قناة فوكس الإخبارية بتصريح من الأولى. لكن لعل من شاهد وليامز على قناة فوكس يستطيع أن يدرك أصل المشكلة. فمحطة إن بى آر محطة عامة وتدفع الحكومة الفيدرالية جزءا معتبرا من ميزانيتها، ومن ثم فهي تلتزم قانونا بالحياد. وهى بسبب حيادها السياسي تقدم خدمة إخبارية متميزة تحظى باحترام واسع. فهي لا تلهث وراء المال الخاص ولا معنية بحساباته مثل القنوات الخاصة.
ولا تلهث وراء الإعلانات ومن ثم فهي لا تسعى للإثارة والتسلية وإنما تقدم خدمة إخبارية حقيقية على درجة رفيعة من المهنية. ولذلك فهي لها قواعدها التي تختلف كثيرا عن القنوات الخاصة التي يختلط فيها الإعلان بالخبر والرأي. أما فوكس فهي قناة إخبارية صاحبة أجندة أيديولوجية وسياسية واضحة لا تخفيها ولا تتسم تغطيتها بأية معايير مهنية متعارف عليها.
وتطلب إن بى آر من عامليها الذين يعملون في قنوات أخرى مراعاة بعض الاعتبارات أهمها ألا يقولون عليها ما لا تسمح معايير إن بى آر بأن يقولونه في محطتهم الأم. لكن وليامز الديمقراطي الليبرالي يلعب في قناة فوكس دور «المحلل» إذا جاز التعبير. فهو الليبرالي ذو الأصول الأفريقية الذي يتم استضافته بانتظام في برامج اليمين ليقدم ظاهريا وجهة نظر تياره بينما يضفى فعليا الشرعية على الكثير مما يدور في القناة من حوارات تتسم أحيانا بالفجاجة والعنصرية. فهو يخرج على الناس مثلا ليدافع عن رمز يميني ضبط متلبسا بأفكار أو خطاب عنصري متعصب.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يثير فيها وليامز الجدل. فهو كان منذ سنوات قد دافع عن أورايلى بعد أن استخدم خطابا ينضح بالعنصرية ضد السود. وقتها أثار دفاع وليامز ذي الأصول الأفريقية عنه ردود فعل واسعة ووضع إن بى آر فى حرج بالغ كون وليامز يستخدم اسمها في ظهوره على فوكس. لكن ما هي إلا فترة وجيزة حتى كان وليامز يهاجم إن بى آر علنا في الصحف والتليفزيون. فالمحطة كانت قد طلبت إجراء حوار مع بوش الابن حول المسألة العرقية.
فوافقت إدارة بوش وقتها ولكنها اختارت وليامز تحديدا لإجراء الحوار. لكن المحطة رفضت أن يختار لها الرئيس من ترسله فثارت ثائرة وليامز ونشر الأمر على الملأ. وقد استمرت تجاوزات وليامز على قناة فوكس التي مثلت انتهاكا لقواعد العمل المنصوص عليها في إن بى آر حتى إن الأخيرة قررت تغيير شكل التعاقد معه العام الماضي من الوظيفة الدائمة إلى العمل بالقطعة. بعبارة أخرى، فإن قرار المحطة الاستغناء نهائيا عن وليامز لم يكن نتيجة لما قاله في حق المسلمين فقط وإنما كان بناء على سلسلة من الوقائع اعتبرته فيها المحطة يكسر قواعد العمل بها.
حين قرأت ملابسات القصة، تفهمت دوافع إن بى آر وهي كلها دوافع مهنية تستدعى الاحترام وتمنيت لو أنها لم تختر إساءته للمسلمين تحديدا لطرده. فرغم قبح ما قاله وليامز وعنصرية السياق الذي جاء فيه، إلا أنني ضد طرد الإعلاميين من وظائفهم بسبب ما يقولونه. فأنت إذا قبلت طرد وليامز لما قاله في حق المسلمين فإن عليك أن تقبل بطرد هيلين توماس من البيت الأبيض حين انتقدت إسرائيل وبطرد أوكتافيا نصر من السي إن إن حين أثنت على العلامة الراحل حسين فضل الله.
وإذا فتحت الباب لطرد الإعلاميين من وظائفهم فإنك لا تفتح الباب فقط للانقضاض على حرية الإعلام وإنما تسلمه أيضا للجماعات الأكثر قوة وتنظيما لتسكت معارضيها دون أن تضمن بالضرورة حماية كرامة القوى الأضعف. يبقى السؤال ماذا نفعل مع من ينفثون الكراهية ضد الآخرين؟ الإجابة في ظني هي تكثيف الضغوط الشعبية والمؤسسية بهدف دفعهم دفعا للاعتذار علنا عما قالوه. ففي حالة وان وليامز، أيهما أفضل عزيزي القارئ بالنسبة للمسلمين، أن يجبر الرجل على الاعتذار علنا من على نفس المنبر أم أن يطرد من إن بى آر فيحصل على عقد في فوكس ويتحول من معتد إلى شهيد؟
