منذ أن حجز الإعلام مكانه في تلافيف العقل الاجتماعي وهو يتربع على عرش رمزي ومكانة لا تدانيها مكانة، وذلك لأنه تبنى حين انطلق فلسفة الحياد بالنظر إلى قضايا الناس، واستخدام كلا عيني البحث عن الحقيقة في تقصي نبض الشارع وهموم المجتمع، ورصد قضاياه ووضعها بين يدي أصحاب القرار مادة طيعة لينة تستشف ما لا يدركه الكثيرون وترى ما لا يراه الآخرون.

هذه المكانة الأثيرة الكبيرة لم تصنعها المقالات المدبجة، ولا التقارير والمشاهد المفبركة في المشهد الإعلامي، بل زرعتها في النفوس وشائج المصداقية أولاً، والحيادية ثانياً، والموضوعية أخيراً، فهي بلا شك مرتكزة قاعدة البحث عن الحقيقة، لا يزعزعها واقع مهما كان، ما دامت ترى النور في آخر النفق دوماً، ولا ينال من ثباتها اضطراب ما دامت تستند إلى وقائع لا تعرف المحاباة والتملق وأنصاف الحقائق.

لكن أن يتخلى الإعلام؛ مسموعا ومرئيا ومقروءا، عن أهم هذه الأركان فعندها يبدأ الخلل وتضطرب المقاييس وتتشوه الحقائق، وتشوش الصور، وعندها لا بد أن يتفاجأ المجتمع بأنصاف الوقائع، وأنصاف التحليلات، وأنصاف الحلول.. وندخل جميعاً في دوامة أنصاف الحقيقة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع! بل إنها تغدو شوكة في خاصرة الاستقرار الاجتماعي تؤذي أكثر مما تنفع، وتفسد أكثر مما تصلح!

والصحافة؛ وهي ميداننا الذي نفخر بالانتماء إليه، وصاحبة الجلالة الرمزية التي نعتز بالعيش في بلاطها، لها من الحضور الاجتماعي في أوساط الناس ما يفوق الذي تحتله سواها من وسائل الإعلام، فهي مرايا المجتمع، والعاكسة لأحوال الناس دقيقها وعظيمها، وإذا كان لها ما لها من المكانة المعنوية الكبيرة في نفوس الناس فهي ملزمة بتكريس هذه المكانة عبر تمسكها بثوابت البحث الراسخ عن مواضع الخلل، ورصدها وتحليلها وإخراجها للمجتمع واضحة ناصعة ليقول فيها المجتمع وأصحاب القرار كلمتهم من دون زيغ أو تضليل، وتستحلي علامات الفساد مهما صغرت فتكشف عُوارها، وتفضح دهاليزها، وتخرجها من عتمة العمل في الظلام إلى نور البصيرة الاجتماعية.

هذه المهمة النبيلة الجليلة تفرض على صاحبة الجلالة أن تفتح عينيها على وسعهما، وفوق ذلك أن ترى بكلتا عينيها، فلا تغمض عيناً وتفتح أخرى، ولا تسارع في فضح عورات الناس قبل أن تقف على أرض صلبة فيما تقول وتنقل.

نقول هذه البديهيات المعروفة المغروسة في ضمير جميع العاملين في الوسط الإعلامي، لنقف على حالات ارتضت بها بعض المطبوعات أن تسير في العمل الصحافي بعين واحدة فتخبر بما تراه من دون تثبّت حتى ولو كان ما تراه سراباً يحسبه الظمآن ماءً.

ظهر هذا الذي نقول في ثقافة المسارعة في التشهير بمن أشير إليهم بإصبع الاتهام من أي جهة رسمية أو غير رسمية، فسارعت بعض الصحف إلى إحداث ثورة اجتماعية عليهم، وكأن الاتهامات حقائق لا تقبل النقض، وثوابت لا يعتريها الخلل، من دون إقامة أي وزن لما يتركه مثل هذا التناول الفاضح من ألم اجتماعي بالأشخاص وسط أسرهم وقبيلتهم ومجتمعهم.

والأصعب من ذلك حين يطول الزمن أو يقصر وتقول الجهات المعنية كلمتها، وتنفي تلك الادعاءات ثم يغيب دور الصحافة الطنانة السابقة، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد، وكأن هذا الذي مزقته بالأمس شخص آخر!! فلا تتناول خبره إلا على عجالة، وكان الحري بها أن تخصص له مساحة بحجم تلك التي أدانته فيها لتنصفه أو تقدم له بعض الاعتذار.

ونحن حين نحارب هذه الظواهر إنما نرتكز على ثوابت يعرفها الجميع قوامها احترام الدوائر الاجتماعية للأشخاص، وتقدير الانتماءات والمحاضن مهما اختلفت، في صيانة لنسيج أصيل نفخر به، يقوم على ارتباط الفرد ببني قومه ولاءً وانتماءً وعطاءً.

ولا شك أن دخول الصحافة خصوصاً والإعلام عموماً إلى ميدان السبق الصحافي الأعمى، إن جاز التعبير، يؤذن بخسارة المكانة المعنوية لهذه النافذة الكبيرة، ويدفع بها إلى عالم البحث عن الفضائح لكسب القراء من دون التثبت أو التحقق، ويؤسس لثقافة الفساد بدل أن يغرس ثوابت الإصلاح، ويمزق الكثير من المكانات الأدبية للناس دون القدرة على رأبها بعد حين، وجرح المكانة الاجتماعية غائر لا يجدي معه أبداً كلمة اعتذار.