عقد مجلس وزراء دفاع بلدان رابطة الدول المستقلة (كومنولث الجمهوريات السوفيتية السابقة) اجتماعا في منتجع يالطا على البحر الأسود منذ عدة أيام، ناقش المشاركون فيه تطوير المنظومة الموحدة للدفاع الجوي لبلدان رابطة الدول المستقلة وقضايا التعاون العسكري التقني وتوفير الدعم الهندسي للقوات العسكرية للدول الأعضاء.
وقرر المجلس في هذا الإطار إجراء تدريبات مشتركة لقوات المدفعية والوحدات الصاروخية في أواخر صيف العام القادم بإقليم استراخان الروسي. وتم الاتفاق على إنشاء مركز تنسيقي لشؤون صيانة وتحديث الأسلحة والمعدات العسكرية وتوريد قطع غيار لها في إطار بلدان رابطة الدول المستقلة.
اتفاق وزراء الدفاع لبلدان رابطة الدول المستقلة يأتي بعد أيام من تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات الروسية جنرال الجيش نيقولاي ماكاروف، والتي أعلن فيها أن مسألة انضمام روسيا إلى حلف الناتو أمر سابق لأوانه، مشيرا إلى أن أهداف ومهام روسيا تختلف عن توجهات الناتو، واعتبر ماكاروف أن الناتو فشل في تهدئة الأوضاع في آسيا الوسطى، ما يعني أن الوضع الراهن يطرح على موسكو مهاما محددة تتمثل في مواجهة التحديات والتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي الروسي.
والأمر لم يقتصر على فشل الناتو في تسوية أزمات دول وسط وجنوب آسيا، بل أن حلف شمال الأطلسي، ورغم تصريحات السكرتير العام للحلف الداعية للتعاون مع روسيا، لم يتجاوب مع مقترحات الرئيس ميدفيدف الخاصة بإعداد معاهدة للأمن الأوروبي.
في وقت يستعد الناتو لعقد قمته التي سيصادق فيها على خطة الولايات المتحدة الخاصة بنشر درعها الصاروخية، والتي تتضمن وضع الصواريخ الاعتراضية والرادارات الموجودة في سفن تابعة للبحرية الأمريكية وفي أوروبا. إضافة لوضع صواريخ SM-3 Block IIA القادرة على إسقاط صواريخ بعيدة المدى في القواعد الأرضية والسفن البحرية قبل عام 2018.
في إطار نظام يستهدف حماية القوات الأمريكية في أوروبا، ويضمن اعتراض صواريخ يتراوح مداها بين 1000 كيلومتر و5500 كيلومتر، علما بأن روسيا هي الدولة الوحيدة التي تملك مثل هذه الصواريخ، بمعنى أن المنظومة الدفاعية الصاروخية الأميركية معدة لمواجهة الصواريخ الروسية، وهو ما تنكره واشنطن تماما، وتدعي أن التهديدات أتي من جهات أخرى مثل إيران.
روسيا لا تعير اهتماما كبيرا لقضية التعاون مع الناتو في الأمن الأوربي أو غيره، ولكنها تولي اهتمامها الأكبر لحماية أمنها من حالة الاضطراب التي تنتشر في وسط آسيا، والقادمة من أفغانستان، كما أنها تحرص أيضا على صد هذه المخاطر عن بقية أطراف المجتمع الدولي، إلا أن استجابة هذه الأطراف متباينة ومتعثرة.
إذ يعتبر الغرب أن مقترح الرئيس دميتري ميدفيديف الخاص بإيجاد تنظيم جديد لحفظ أمن أوروبا، سيؤدي إلى تهميش دور حلف الناتو في العالم. بل وقد يتسبب في أن تفقد بلدان أوروبا الشرقية مظلة الناتو الأمنية.
في نفس الوقت الذي يتعامل مع الدرع الصاروخية الأميركية التي تزج عمليا بأوروبا في صراع بين موسكو وواشنطن بل في صراعات واشنطن الدولية، دون وجود مبرر منطقي لأهميتها، على أنها السبيل لحماية أمن القارة الأوروبية.
لذا من المنطقي أن تباشر موسكو في ترتيب الأوضاع في وسط آسيا، وإعداد نقاط ارتكازها العسكرية بالتعاون مع حلفاءها في رابطة الدول المستقلة، أولا لمواجهة المخاطر والتهديدات التي يتعرض لها أمن روسيا وأمن هذه الدول. وثانيا لكي تضمن وجود نفوذ عسكري يدفع الناتو للتعاون معه من خلال تفاهم وتسوية تراعي مصالح روسيا ودول المنطقة.
وهذا التوجه يحقق أيضا مصالح البلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة التي قبلت بالتواجد العسكري الأميركي في قرغيزيا وأوزبكستان لسنوات طويلة على أمل أن تضمن هذه القوات إحلال الأمن والاستقرار، لكن فشل قوات الناتو والقوات الأميركية في ذلك أو ربما عدم اهتمامها بتحقيق ذلك دفع أوزبكستان لأنهاء الوجود العسكري الأمريكي،بل ودفع قرغيزيا لتوسيع تعاونها العسكري مع روسيا، والقبول ببقاء القوات الأميركية نظير عائد مادي مجزي. فقد وجدت دول المنطقة انه لا حليف يضمن لها إحلال الأمن ومواجهة مخاطر تنامي الإرهاب سوى روسيا.
القوات الروسية هي الوحيدة المؤهلة لضمان أمن وسط آسيا، ليس فقط لأنها على دراية كاملة ودقيقة بتفاصيل المنطقة وعادات شعوبها وأسلوب تفكيرها، وإنما أيضا لأن قرار الكرملين السياسي بضرورة إنجاز هذه المهمة يدفعها للعمل بجدية لتصفية البؤر التي تشيع الاضطراب الأمني.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني