من كان يتخيّل أن الممثلة الشهيرة مارلين مونرو (1930-1962) كانت تهتم بالقراءة والكتابة؟
لقد فاجأتنا نجمة الإغراء، إذ هي كانت، منذ يفاعتها، تدوّن مذكراتها على شكل قصائد أو رسائل حميمة أو إشارات خاطفة. وقد وُجدت هذه المذكرات في أدراجها، واحتفظ بها حتى اليوم، لكي تصدر في كتاب بعنوان «شذرات»، نُشر بعضها في المجلات الأسبوعية الفرنسية.
هذه الكتابات تُظهر بُعداً آخر كنا نجهله لمارلين مونرو، إذ هي كانت ترتاد المنتديات الثقافية أكثر مما ترتاد دور الأزياء، وكانت تقرأ لكبار المؤلفين مثل فرويد وجيمس جويس وريلكه.
من هنا زواجها من الكاتب ارثر ميللر. والأهم أن مارلين، وكما يظهر جلياً في يومياتها لم تكن سعيدة، وبعكس ما كان يحسب عشاقها والذين نظروا إليها بوصفها أيقونة الجنس المقدسة أو المعبودة.
من هنا كانت تشعر بأن ما تقوله على الشاشة أو تؤديه من الأدوار لا ينطق بحقيقتها ولا يعبّر عن همومها وهواجسها، ولا عن الحياة كما تجري وتعاش، في نثرها وتفاصيلها وخفاياها وكواليسها.
ولعل هذا ما يفسّر إقبالها على القراءة بشغف، هي التي كان يدهشها قول ريلكه: «إن الجمال هو بداية الرعب»، معلقة على ذلك بقولها: «لست متأكدة من فهم هذا القول، ولكني أحب هذه الفكرة».
هذا ما تكشفه قراءة اليوميات. لم تكن أسطورة عصرها راضية عن نفسها، هي التي كانت تشعر بأن الأشياء معها لا تسير على ما يرام، وأنها عاجزة عن استجماع قوتها وامتلاك زمامها.
من هنا كانت تحيا حياتها خائفة، قلقة، مضطربة، ممزقة، بقدر ما كانت فريسة إحساس مرعب يطاردها، جعلها تقف على حافة الجنون أو تتمنى الموت، كما جاء في مذكراتها: «النجدة، النجدة، النجدة! إنني أشعر بأن الحياة مقبلة عليّ، ولكن ما أتمناه هو الموت».
هذا ما جعل المحلل النفسي أندريه غرين يقول ان مارلين كانت منذورة للشقاء، لأنها كانت صاحبة «نفس خاطئة»، لا بالمعنى الخلقي أو الديني، بل المعنى الوجودي، حيث الشخص يشعر بأنه في المكان الخطأ، وبأن حياته منسوجة من الكذب والغش والخداع.والنفس الخاطئة، بهذا المعنى، لا تنتج سوى سعادة مزيفة.
من هنا سيطر على مارلين الإحساس بالإخفاق، الأمر الذي أفقدها ثقتها بنفسها وبالآخرين، وذلك هو مأزقها الوجودي: الوصول إلى حالة يشعر معها المرء ان حياته باتت بلا معنى، «معلقة في الفراغ»، وبأن ما يقوم به لا يجلب سعادة ولا يحقق حلماً أو طموحاً.
في أي حال، إن هذه اليوميات التي تتناول فيها مونرو بعضاً من سيرتها وتجاربها وعلاقتها بنفسها ورجالها وبالآخرين، قد شكّل مادة للتعليق والتحليل، بما يسلط الضوء على الأسرار التي نسجت منها حياة هذه النجمة التي شغلت الدنيا في عصرها، ولا تزال تشغل الناس حتى اليوم.
ومن أبرز التعليقات التي لفتت نظري ما ذكرته الكاتبة الفرنسية كاترين ماييه التي تقول ان مارلين كانت تدرك أكثر من غيرها، لكونها رمز الإغراء، بأن المرأة هي في عين الرجل اثنان: هي وجسدها.
بمعنى أن جسدها «يستقل» عنها، ويصبح موضع الاغتصاب من قبل الرجال الذين ينهشونها بنظراتهم، الأمر الذي يجعل المرأة، خاصةً إذا كانت جميلة وجذابة، تنشغل في إدارة هذه المسافة بينها وبين نفسها لتدبر أمر جسدها. ولعل هذا مبعث «فقدان التركيز» الذي كانت تعاني منه الممثلة مارلين مونرو.
وفي مثل هذه الحالة يغدو الجسد مجرد سلعة أو عورة، وقد يمسي جثة بعد قضاء الوطر، وذلك هو الفخ أو المأزق الذي يقع فيه الشخص البشري في مثل هذه الحالات: فقدان القيمة والمعنى. والإنسان مدين للمعنى.
هذا المأزق الوجودي هو الذي جعل رابعة العدوية، إذا شئنا المقارنة، تنقلب على نفسها وتتحول عن حياتها، كامرأة مرغوبة فقط لجسدها، بالتوجه نحو التصوف لإعادة تكوين ذاتها وإنتاج معناها، بالانخراط في الوسط الثقافي للأدباء والعلماء، وتعاطي القول الجميل المبتكر الذي صنع لها أسطورتها.
ومع أن مارلين مونرو كانت تدرك إخفاقها فيما تعمله، بقدر ما تجد سعادتها في القراءة والكتابة، حيث تنفتح أمامها عوالم أخرى، إلا أنها لم تفلح في الخروج من ورطتها.
فإن طاحونة الحياة الأميركية الحديثة، بإعلامها وإعلاناتها وأنماط استهلاكها، قد أرادت لها أن تكون مجرد نجمة أو أيقونة، أي مادة أو أداة، الأمر الذي كان يرعبها ويصنع مأزقها، والذي قادها إلى النهاية المحتومة.
فيروز المتألقة
ثمة حدث ثقافي شهدته بيروت يستحق أن نتوقف عنده. تمثّل ذلك في إحياء السيدة فيروز حفلها الغنائي الذي كان عشاقها ينتظرونه بلهفة وشوق، لكي يروا سفيرتهم إلى النجوم تغني وتتألق وتزرع الأمل، وسط الأجواء المكفهرة والمعتمة.
وقد حضر هذا الحفل عدد كبير من البلاد العربية أتوا خصيصاً إلى بيروت، لكي يستمعوا إلى أيقونة الغناء ويعيشوا معها لحظات لا تُمحى من الذاكرة.
والكثير من هؤلاء يغتنمون مناسبة المجيء إلى لبنان، لكي يرتادوا المكتبات ودور النشر، ويطلعوا على الجديد ويحملوه معهم إلى بلدانهم. وقد أخبرني صديقي صاحب المكتبة في رأس بيروت، بأن مبيع الكتب عنده بلغ أرقاماً قياسية، لم يشهدها منذ سنوات، في بحر الأسبوع الذي غنت فيه فيروز، وقد ردّ هو السبب إلى هذا الحدث الثقافي الفني.
وكان تعليقي: هذه هي بيروت عاصمة لبنان وقلبه الحي النابض. إنها تشكّل حاجة للعرب جميعاً، كنموذج للتعدد ومنبر لحرية التفكير، وكمركز لإنتاج الكتاب العربي وصناعته. هذا مع أن لبنان قاوم ونجح في تحرير أرضه عام 2000.
ولكن ثمة من يريد اختزاله إلى بُعده الأمني الآحادي، أو إبقاءه ساحة أو منصّة أو أداة لمواجهة العالم وتحرير الشعوب، بحسب ما يردّد الذين يتقنون ممارسة التهويم الأيديولوجي والتشبيح النضالي.
هذا ما قاله الكثيرون في معرض ترحيبهم بزيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان، إذ كانوا يؤكدون ما قدمته إيران من دعم للمقاومة، أو يتحدثون عن التلاحم ووحدة المصير بين إيران من جهة وبين لبنان المقاومة من جهة أخرى.
هكذا يُراد للبنان أن يكون وحده المقاوم، فيما غيره يستثمر ذلك في مشاريعه السياسية والاستراتيجية. ومع ذلك، فإن لبنان لا ينفك عن المقاومة، بأشكالها الأخرى، كما تتجلى في الأدب والفن والفكر، في مواجهة لغة الحشود والصواريخ والشعوذات العقائدية والشعارات الخادعة والمشاريع الملغومة.
كاتب لبناني
harb@cyberia.net.lb