شهد شمال القوقاز خلال الشهور الماضية تصعيدا في الصدامات المسلحة من جانب مجموعات الإرهابيين ضد السلطات المحلية.

واعتبرت أجهزة الأمن الروسية أن هذا التصعيد هو نتاج لخطة أشرف على إعدادها سعيد بوريتسكى الذي قتل منذ عامين، بدءا من اختياره للعناصر الانتحارية ومرورا بتدريب وتجهيز هذه العناصر لتنفيذ سلسلة عمليات مسلحة، وانتهاء بتحديد أهداف الأعمال المسلحة التي ستنفذ.

إلا أن هذا التصعيد لم يكن المحرك الأساسي له ما قام به سعيد بوريتسكى. وإنما تنامي الخلافات والصراعات في أوساط مجموعات الانفصاليين الشيشان.

والذي توج مؤخرا بانقسام المجموعات المذكورة، حيث أعلنت ما تسمى بحركة «مقاتلي حركة المقاومة» عن انتخاب القائد الميداني حسين غاكايف رئيسا جديدا لمجلس الشورى، بعد إعلان احمد زكايف استقالته من منصب رئيس وزراء «جمهورية إتشكيريا»، وتولى «مجلس الشورى» اختصاصات حكومة إتشكيريا.

وتجدر الإشارة إلى أن حسين غاكايف وغيره من قادة المقاومة القوقازية رفضوا أن يتبعوا لإمرة «أمير إمارة القوقاز» دوكو عمروف. ومن المفارقات التي تثير الدهشة أن دوكو عمروف الذى استقال ثم تراجع عن استقالته من منصبه، كان يحاول اقناع الرأي العام الشيشاني بأن قواته تواصل «الصدام» مع القوات الروسية، وتتربص بها.

لدرجة انه بعد أن أعلن إدانته لتفجيرات مترو الأنفاق في موسكو التي وقعت في ربيع العام الحالي، تراجع عن ذلك، وأعلن مسؤوليته عن هذا العمل الإرهابي في نفس اليوم.

إلا أن هذه المحاولات لم تمكنه من البقاء كزعيم للانفصاليين في شمال القوقاز، وأثارت تساؤلات حول مصداقيته، بل ودفعت البعض لاتهامه بالخداع في سبيل الحصول على الأموال من الجهات التي تمول أنشطة الانفصاليين.

لكن هذا الواقع الذي يعيشه الانفصاليون الشيشان لا يفسر بل ولا يرتبط بما يحدث في داغستان أكبر جمهوريات شمال القوقاز. التي تعانى من اضطرابات أمنية على مدار العامين الأخيرين! وفى بقية مناطق شمال القوقاز. وقد يكشف أن مسؤولية الاضطراب الأمني لا تقع على عاتق الانفصاليين فقط.

لقد كشفت الأحداث أن السلطات المحلية في جمهوريات شمال القوقاز ليست قادرة على إحلال الاستقرار، والسيطرة على الوضع. بل أنها تعيش حالة صراع داخلي بين مجموعات القيادات البيروقراطية المحلية التي تعيش على دعم المركز الفيدرالي.

في نفس الوقت الذي يشهد فيه هذا الإقليم تصعيدا للأعمال المسلحة من جانب مجموعات متفرقة تنتمي للانفصاليين، تتمثل في اغتيالات ضد عدد من القيادات المحلية، وتفجيرات في مواقع قوات الأمن الداخلي.

ويمكن القول إن الأوضاع الأمنية في شمال القوقاز أصبحت سيئة، ومازال سكان الإقليم يتعرضون لمخاطر التعرض لنيران مجهولة، أو انفجار عبوات ناسفة، أو الخطف من قبل المسلحين، أو الاعتقال من جانب السلطات بسبب الاشتباه بتورط في التعامل مع المقاتلين أو لأسباب أخرى تتعلق بمصالح السلطات المحلية.

ما دفع للاعتقاد بأن فساد القيادات الحكومية وصراعاتها الداخلية، تحول ليصبح عاملا مؤثرا في تفجير الوضع مجددا في شمال القوقاز.

ومازالت جمهوريات شمال القوقاز تعانى من ارتفاع نسب البطالة بين الشباب لتصل إلى73% وفق تصريحات المسؤولين، ناهيك عن حالات انتهاك حقوق الإنسان والاختطاف الذي يتعرض له المواطنون سواء من الانفصاليين أو من قوات الأمن المحلية.

وقد كشف مندوب الرئيس ميدفيدف في شمال القوقاز ألكسندر خلوبونين أن تنمية القوقاز خلال الخمسة عشر عاما القادمة تتطلب حوالي 600 مليار روبل.وأنه يجب على الحكومة أن تقدم100 مليار روبل من المبلغ المطلوب البالغ 600 مليار خلال العام الحالي.

هذا الوضع الذي يكشف عن العامل الأساسي في تفجير الأوضاع في إقليم شمال القوقاز هو الأزمة الاقتصادية وانتشار الفساد في السلطات المحلية، والتي تدفع الشباب إلى البحث عن أي سبل متاحة لتوفير العائد المادي اللازم لإعالة أسرهم.

ولابد من القول إن إغلاق ملف شمال القوقاز يتطلب إيجاد حل جذري لأزمات سكان الإقليم، وتوفير فرص العمل للشباب، إضافة للتجاوب مع مطامح شعوب شمال القوقاز في الأمن والاستقرار وحرية التعبير وعدم إهدار حقوقهم الإنسانية.

ويبقي أن نشير إلى أن سياسة الاعتماد على هذا الفصيل المسلح في مواجهة الفصائل الأخرى لا يمكن أن تشكل مخرجا، وإنما هي السبيل الناجع لإبقاء أزمة شمال القوقاز متفجرة.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru