قديماً قيل «الفطنة أثمن من الفضة»، لكن هذه المقولة ما عادت تسري سوى على غثاء العقل البشري منذ اقتيد تحت إغراء المادة، إلى حالة نهم مرضية ندعوها حاليا الجشع، والتكسب من الضرر.
لا نتحدث عن ظواهر مرضية عامة ينحصر سبرها في منتديات المثقفين، بل نحسها كل لحظة ما إن نمارس فعل البقاء البشري بالتكاثر. نرى تبعات ما سلف في أطفالنا وهم يساقون إلى يمام الوهم يسبحون باسمين ومستثارين على غير هدى أو اتجاه يمت للأرض بأضعف صلة.
من لا يعاني من حياة كاملة يعيشها أطفاله في عالم التلفاز، فيستحيل الحوار الإرشادي بين الأب وطفله إلى محاولة أبوية لفهم ما يقوله، لا ما يفكر به، هذا المخلوق الصغير، ولا يجد حيال ما يجري سوى مشاهدة برامج الاطفال كي يعي الأسماء والتعبيرات والمصطلحات، وعبثا يحاول شد طفله إلى الواقعي من الحياة.
هي مصيدة خيال يتم استدراج الاطفال لها بخبث تجاري، يفلح في خلق فجوة واسعة في وعي الطفل بين الواقعي والوهمي، بين الممكن واللا ممكن، بين الرغبة والإمكانية، فيغدو فريسة استهلاكية سهلة ،لا تراعي ظرف الآباء ولا ظروف المجتمع المحيط.. هذا بالطبع أخف التبعات.
لدورتين متتاليتين (2002 و2006) حاول جاهدا ليندون لاروش انتزاع ترشيح الحزب الديمقراطي الأميركي لانتخابات الرئاسة، لكن من دون جدوى، وربما كان السبب زيادة جرعة الجرأة لديه، في مس المسلمات وارتكاب المحرمات في السياسة الأميركية.
عدا عن كون لاروش معاديا ضروسا لإسرائيل واللوبي المساند لها في الولايات المتحدة، لكن أخطر مواقفه كانت تتركز في الداخل الأميركي، ونبشه في ملفات مغلقة.
بينها زعيم الطائفة المونية، وهو كوري جنوبي عمل في خدمة الجيش الأميركي ابان حرب الكوريتين، ورحل مع الجيش نفسه إلى بلاد العم سام واضحى «ميليارديرا» قبل أن يؤسس طائفته التي تقترب في معتنقاتها من المتطرفين المسيحيين الذين يؤمنون بمعركة مجدو الفاصلة بين اليهود والمسيحيين.
لاروش اتهم مون هذا بالتعاون مع أعضاء كونغرس متطرفين، باختراق هوليوود، والتأسيس لوحش إنتاجي انطلق لاحقا بشراسة وسرعة قياسيين.
هذا الإنتاج هو عبارة عن سلسلة ضخمة جدا من ألعاب الأطفال الالكترونية التي تدور في معظمها حول أعمال حربية وقتالية، إذا ما أضفنا إليها بقعة الخيال التلفزيوني الواسعة في أذهان الاطفال.
جعلت من عملية القتل بحد ذاتها أمراً مسليا لا يعدو كونه أكثر من ضغطة زر يخر بعدها العدو منتثرا إلى أجزاء، ولا يثير ذلك لدى الطفل سوى مشاعر النصر لا الحزن على قتل نفس.
لاروش يرى أن المغزى من وراء ذلك خلق جيل من المراهقين متبلدي الإحساس، يمكن اصطيادهم لاحقا في فرق القتل بدم بارد في صفوف الجيش أو المرتزقة.
وكان من آثار ذلك، كما حفلت به الأخبار، انتشار ظاهرة إقدام أي تلميذ يعاني نقصا أو حقدا على مدرسته، على انتزاع بندقية أبيه وإمطار المدرسة وما فيها من طلبة ومدرسين بالرصاص قبل أن يقتل أو ينتحر.
بغض النظر عما إذا كانت وجهة نظر لاروش مبالغا فيها أم واقعية، فإن هذا الأسر الخطير لعقول أطفالنا من قبل الشاشات الالكترونية بمختلف أحجامها وأنواعها، يشي باحتمال أسر مصيرنا وراء قضبان المغامرة بالمستقبل، ما لم نسرع إلى التنبه و«فلترة» نمط حياتنا على واقعي يطل قليلا في سماء خيالاتهم الجامحة.
Adonis02@hotmail.com