هل كان يجب على المواطنة الكفيفة سلمى علي سعيد الكعبي أن تنتظر حتى يقوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بزيارة مركز تأهيل المعاقين بالفجيرة كي ينصفها ويأمر بتعيينها خبيرة لدى وزيرة الشؤون الاجتماعية في مجال الدمج المجتمعي للمعاقين؟

وهل كانت ستبقى معلمةً بالمركز دون الاستفادة من تحصيلها العلمي وخبرتها العملية في مجال تأهيل المعاقين الذي توليه دولتنا عناية خاصة، وتنشئ له المراكز المتخصصة، وتستقدم له الخبراء من الخارج، في الوقت الذي يوجد فيه بين ظهرانينا من يمتلك هذه الخبرة؟

وماذا لو لم يقم سموه بزيارة مركز الفجيرة ليكتشف كفاءة سلمى، وقدرتها على العطاء، وفهمها لطبيعة معاناة هذه الفئة، الأمر الذي يجعل منها المرشح الأنسب لهذه المهمة فيأمر بترقيتها؟

كل هذه الأسئلة، وأكثر منها، تطرح نفسها ونحن نستعرض قصة كفاح سلمى الكعبي، وإصرارها على تحدي إعاقتها، وتمسك أهلها بحق ابنتهم في الحصول على التعليم، وأن تعيش حياتها الطبيعية، وتحمِّل هذه الأسرة اغتراب سلمى عن الوطن وهي في الرابعة من عمرها، كي تعود إليه مسلحة بالعلم والثقة بالنفس.

لتحقق ما عجز عن تحقيقه كثير من المبصرين، وتخدم وطنها في مجال نحن أحوج ما نكون فيه إلى عناصر مواطنة، تستطيع الاقتراب من هذه الفئة، والتخفيف من معاناتها، لأنها الأكثر إحساساً بها، والأقرب إليها من حيث التكوين النفسي والجسدي.

قصة اكتشاف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للمواطنة سلمى الكعبي وتعيينها خبيرة لدى وزيرة الشؤون الاجتماعية تدعونا إلى فتح ملف الخبراء من جديد، وهو ملف تضخم حتى كاد ينفجر لكثرة ما أودعنا فيه من قصص وحكايات، بعضها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، وما زال هناك الكثير الذي يمكن أن يضاف إليه.

وقصة اكتشاف المعلمة المواطنة الكفيفة سلمى الكعبي التي أصبحت خبيرة بقرار من نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، واحدة من القصص التي تصلح نموذجاً للخبرات المواطنة التي تظل قابعة في الظل حتى يهيئ الله لها من يسلط الضوء عليها، وينقلها من العتمة إلى النور، كي تنال حقها وتقوم بدورها في خدمة الوطن لرد بعض الجميل الذي أسداه إليها.

نحن نذهب بعيداً في البحث عن الخبراء من أقصى المعمورة إلى أدناها، نستقدمهم من كل بقاع الدنيا، ندفع لهم أعلى الرواتب ونقدم لهم أفضل الامتيازات، دون أن نكلف أنفسنا عناء النظر حولنا واكتشاف الخبرات المواطنة التي تعيش بيننا.

وفي هذا ازدراء لمسيرة الوطن التي توشك أن تكمل عقوداً أربعة عامرة بالجهد والعمل، وبناء الإنسان الذي اعتبره مؤسس الدولة وباني نهضتها الحديثة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه) الثروة الحقيقية لهذا الوطن.

أليست هذه العقود الأربعة كفيلة بإعداد جيل من أبناء هذه الأرض الذين نالوا من التعليم أفضله، ومن الدرجات العلمية أرفعها، ومن الخبرات العملية أوفرها، ليقدموا خلاصة علمهم وخبرتهم لهذا الوطن وأبنائه؟

كما أن في ذهابنا بعيداً لاستقدام الخبراء، الذين لا نحتاج أغلبهم، من الخارج ازدراء لأبناء الوطن الذين حباهم الله قيادة حكيمة، وفرت لهم أفضل أنواع التعليم، في الداخل والخارج، وأتاحت لهم اكتساب الخبرة العملية منذ تأسيس الدولة، ولم تبخل عليهم بشيء.

ثم يأتي بعد ذلك من يتجاهل ما اكتسبوه من علم وخبرة، كما يتجاهل، وهذا هو الأهم، ولاءهم لهذا الوطن، ورغبتهم في تقديم خلاصة علمهم وخبرتهم لأبنائهم وأخوتهم؟!

إن فتح ملف الخبراء المتضخم سينكأ، دون شك، الكثير من الجروح ويفجر الكثير من الآلام، لكن نكء الجروح وتفجير الآلام أفضل بكثير، في رأينا، من السكوت على الداء حتى الوصول إلى مرحلة متأخرة، حيث تصبح الخسارة مضاعفة، ليست الخسارة المادية فقط، وإنما الخسارة المعنوية التي هي أشد تأثيراً وفداحة وألماً.

ربما يقول البعض إن في هذا الكلام نوعاً من المبالغة، لكن الواقع يقول إنه حقيقة نعيشها كل يوم، الشواهد عليها كثيرة، والحكايات عنها في متناول اليد، والمطالبة بإصلاح هذا الخلل مستمرة، فليس من المنطق إطلاقاً أن يُنظَر إلى المواطن على أنه كفاءة من الدرجة العاشرة، في حين تستقدم الكثير من مؤسسات الدولة الاتحادية والدوائر المحلية والمؤسسات خبراء من الخارج.

لا يملكون من المؤهلات سوى اختلاف السحنة واللسان وجواز السفر، لنكتشف بعد حين أنهم لا يملكون من الخبرة أكثر مما يملكه مواطن حديث التخرج، وربما أقل من ذلك، ولكن بعد أن نكون قد منحناهم من الرواتب والامتيازات ما يمكن أن نُعِدّ به العشرات من الخريجين المواطنين في مختلف المواقع والتخصصات.

نحن لا ننكر أن هناك بعض التخصصات العلمية الحديثة التي نحتاج فيها إلى خبراء يُعِدّون لنا أبناءنا للمستقبل، مثل مجال الطاقة النووية السلمية الذي قررت الدولة، وهي مصيبة في ذلك، تهيئة عدد من المواطنين للعمل فيه، لكن هذه التخصصات تقلصت على مدى سنوات عمر الاتحاد.

بل وأصبح لدينا في بعضها خبراء نفخر بهم، ولكن ألا تتفقون معنا على أن هناك مجالات، مثل التعليم والإعلام والموارد البشرية والكثير غيرها، لم تعد بحاجة إلى خبراء من المريخ كي يعلموننا أبجدياتها؟

سلمى الكعبي مواطنة انتظرت سنوات حتى جاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لا لينصفها ويعترف بخبرتها فقط، وإنما ليقول للمسؤولين في مواقع عملهم إن هناك العديد من المواطنين أمثال سلمى الذين يستحقون بجدارة أن يحتلوا مواقع جحافل الخبراء الذين نقابلهم في الكثير من المواقع.

ولكن أين هو ذلك المسؤول الذي يملك نفاذ رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وحكمته، وقدرته على اتخاذ القرار؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com