بعد نشر الوثائق عن التجاوزات الخطيرة التي ارتكبت أثناء وبعد غزو العراق وافغانستان وكان أولى بالذين ينددون بنشر هذه الوثائق السرية ، أو التي كانت سرية، أن ينهضوا لطلب التحقيق في تلك التجاوزات الخطيرة، على الأقل لتدرأ القيادات العليا للتحالف المتورط في حروب عشوائية لا جدوى منها ، تدرأ عن نفسها شبهة الاشتراك فيها أو إصدار الأوامر لتنفيذها ، كما يحدث دائما عند شيوع كل فضيحة ، بأدلة ووثائق لا يمكن إنكارها، حيث يلجأ القادة الى تحميل المسؤولية الى الرتب الأدنى.
لكن الذي حدث ان عواصم الدول المسؤولة عن الغزو والدمار والقتل او باختصار (إرهاب الدولة) الذي مورس والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في العراق وافغانستان، عمدت الى التحذير من نشر الوثائق، وهددت من يساعد على نشرها في الإعلام بالعقاب.
أي ان المجرم يرتكب جريمته ، حتى اذا شاع أمرها وافتضحت تفاصيلها يعمد الى تهديد المتحدثين عن الجريمة ، لكن العدالة تقتضي ان تتم محاكمة المجرم، ومعاقبته، وليس معاقبة (من ينشر).
والقوانين الوضعية في العالم تعتبر الساكت على جريمة شريكا فيها ، فكيف يستقيم القانون الدولي، اذا استمرت هذه اللعبة الخطيرة التي يلعبها ساسة متطرفون، يدمرون ويخربون، ثم يسعون الى اخفاء الحقائق وتشويه الوقائع، ونشر الأكاذيب.
وحتى لو كان الإدعاء بان نشر هذه الوثائق هو لأغراض انتخابية فهل ينفي ذلك صحتها او يبرر للفاعل فعلته؟.
إن الظلم الذي لحق الشعب العراقي على وجه الخصوص على أيدي الاحتلال وبمساعدة نفر من أهله هو فضيحة الفضائح في العصر الحديث، ولن يندمل الجرح ولن تهدأ النفوس ما لم يمثل المجرم للعقاب حتى وإن طال المدى ، فالجرائم في حق الانسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن ان يهال عليها التراب، خاصة وان الوسائل التكنولوجية للرصد والتسجيل والإعلان صارت اكبر من قدرة المعتدين على حجبها مهما كانت مناصبهم.
كما أن الدعوة لمحاسبة المتسبب واجبة، وكل مجرم يتحمل عواقب جريمته فقد قام اليمين المتطرف الاميركي بجريمة شنعاء بغزو العراق، وهو خطط لذلك منذ ما قبل حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومازلنا نتذكر رغبة ديك تشيني في غزو العراق عام 1991 حين كان وزيرا للدفاع، وعقد العزم على تنفيذ هدفه حين اصبح نائب الرئيس في عهد جورج بوش الابن، فدمر بلدا كان آمنا ولم يرتكب أي اساءة بحق القانون الدولي، واتضح ان التهم الموجهة للعراق لم تكن صحيحة، وان نية الغزو كانت مبيتة قبل ان يتم التبرير لها بأعذار واحداث وقعت بعد تبييت النية والاستعداد السري للغزو، وترتيب تفاصيله.
الشعب العراقي بحاجة الى يد حنون تربت على كتفه وتجفف دمعته، وتأسو جراحه ولن يتحقق ذلك دون محاسبة المخطئين على اخطائهم الدموية. حتى لا ينجر العراق الى حالة من الحرب الاهلية الدائمة ـ لا قدر الله ـ ودون تعميم ينسحب إلى طائفة او عرق بعينه.
وقديما قالوا: لعن الله قوما ضاع الحق بينهم. وستطارد اللعنة كل من يعمد الى إخفاء حقيقة او طمس معالم جريمة مهما طال بهم الأمد تحت حصانة لا يستحقونها. خاصة اولئك القادة الذين كونوا لانفسهم (فرق إعدام) تقوم بقتل الخصوم السياسيين ثم اتهام آخرين بقتلهم، وثمة وثائق عديدة اشارت الى قادة عراقيين واميركيين ارتكبوا هذه الافعال الشنعاء، ويبقى ان يصحو ضمير المنظومة الدولية ويبدأ الحساب.
