ساعات قليلة ليس أكثر، ما بين صدور عدد الجمعة من «البيان» وبين طوفان من الرسائل الالكترونية والهاتفية والمكالمات، التي انهمرت عليّ للاستفسار عن كيفية الوقوف إلى جوار الأسرة المواطنة، التي أطلقت نداء استغاثة لوضع حد لمعاناتها مع الفقر والحاجة.
في الصباح الباكر، استيقظت على رسالة نصية ممهورة بتوقيع المواطنة ناريمان الملا «طبيبة القلب المعروفة» تقول: «سلام عليكم أخت فضيلة، أنا على أتم الاستعداد أن أخصص شهرياً لهذه الأسرة مبلغ 3000 درهم، وسأبذل ما في طاقتي لمساعدتها بشتى السبل الممكنة».
بعد هذه الرسالة التي أثلجت صدري بدقائق، تلقيت اتصالاً من الأخ عبدالله المهيري أمين عام مؤسسة صندوق الزكاة يطلب معلومات عن الأسرة ذاتها لتخصيص مبلغ شهري لها، ثم تحدث في اتصاله أيضاً عن الأسر المتعففة التي تتلقى شهرياً مبالغ ثابتة تصل إلى 10 آلاف درهم، وفق حاجة وظروف كل أسرة، ثم عاود الاتصال مؤكداً أن المواطنة سبق وتقدمت للمؤسسة بطلب إعانة.
وقد أجرت المؤسسة بحثها عن الحالة وتمت الموافقة على تخصيص 4 آلاف درهم شهرياً، والمسألة لا تعدو إلا أن تكون مسألة وقت، ووعد بصرف المبلغ اعتباراً من الشهر الجاري، وسيعمل يوم الأحد «اليوم» إنهاء إجراءات المعاملة.
وعند الظهيرة كنت على موعد مع مكالمة خير من قصر سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير شؤون الرئاسة، للحصول على رقم هاتف الأسرة لتقديم المساعدة، بعدها تفتحت طاقات النور وبوابات الخير، فإذا بمكالمة من ديوان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي للغرض ذاته، ومن ثم مكالمة أخرى من مؤسسة الشيخ خليفة للأعمال الخيرية للاستدلال على الأسرة المواطنة لتقديم الدعم والعون لها.
عند المساء جلست أتفقد البريد الالكتروني، فإذا به يزدحم بالرسائل من أصحاب الأيادي البيضاء، فرسان العطاء، أبناء هذه الأرض الطيبة... بعضهم ذكر اسمه، واختار البعض الآخر كنية مثل: ولد زايد، وولد خليفة وابن الإمارات ومواطن من أرض الخير، واشتملت الرسائل على رغبات صادقة في البذل والعطاء حتى شعرت أنني في ماراثون خير يهم إليه الوطن بأسره.
البعض عرض تبرعات شهرية، والبعض تكفل بسداد الإيجار عن هذه الأسرة المكلومة، فيما ارتأى البعض الآخر أن يعمل وفقاً للمثل الصيني الشهير: أن تعلمني الصيد خيرٌ من أن تعطيني سمكةً، فعرض وظائف لأفراد هذه الأسرة، حتى تحسن أوضاعها بنفسها، ولا تبقى معتمدة على أحد.
كل هذا العطاء الجزيل، والخير الوفير كان بمثابة البلسم الذي ضمد جراح هذه الأسرة، وكان بمثابة مظاهرة خير وكرم، لإعلان القطيعة ما بين هذه الأسرة وبين شظف العيش، وأن الأيام الحلوة آتية.
والحق... إنني ما عرضت أية حالة إنسانية عبر هذه الزاوية من ذي قبل، إلا وجدت القلوب الرحيمة تتآلف وتتحد على الخير، مما يؤكد أن أرضنا المعطاءة، كما يعرفها القاصي والداني، ستظل أرض إيثار وعطاء لا حدود له، وأن أهلها سيبقون دائماً وأبداً «كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
هكذا انتهت معاناة هذه الأسرة، غير أنه لابد من وقفة جادة لتقييم بعض قوانين الأحوال الشخصية لدينا، حتى نتجنب تكرار مثل هذه المآسي، ولابد من أن ننظر بعين العطف للزوجة الأولى، التي تتجرع في حال طلاقها، مرارة الطرد من بيتها. فمراجعة هذه القوانين بما يتلاءم مع واقعنا ومع مبادئ شريعتنا الإسلامية سيعطي كل ذي حق حقه.
