بين رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وحليفه الرئيس الأميركي السابق أيضاً جورج بوش، وشائج، ومواقف متشابهة، رغم اتهام البعض للأول بالتبعية للثاني، إبان وجودهما على رأس سلطة اثنتين من الدول التي توصف بالعظمى.

بلير أصدر مذكرات، روى فيها جانباً من أيامه داخل 10 داوننغ ستريت، والقرارات المصيرية التي اتخذها، وكانت وبالاً عليه، وجلبت له العداء من بني جلده، وعدد لا بأس به من شعوب الأرض، فيما يستعد بوش هو الآخر لطرح مذكراته عن السنوات التي قضاها بين جدران البيت الأبيض، في التاسع من الشهر المقبل.

في مذكرات بلير التي حملت عنوان (رحلة) احتلت الحرب الأميركية البريطانية على العراق حيزاً كبيراً، ورغم اعترافه ان تلك الحرب شكلت كابوساً لم يدركه إلا بعد الغزو، أصر على موقفه منها قائلاً: (لا يمكنني الندم على قرار دخول الحرب).

وفي مذكرات بوش المنتظرة، نتوقع أن يتشابه، إن لم يتطابق، كلام الرجل مع حليفه بلير، في ضوء ما قاله الرئيس الأميركي السابق خلال زيارة قام بها قبل أيام إلى الكويت، بأنه غير نادم على أي قرار اتخذه وهو رئيس الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 2000، وحتى آخر يوم في ولايته الثانية عام 2008، مؤكداً أن أعظم قراراته على المستوى الخارجي كانت إعطاء الأوامر (بتحرير العراق من اختطاف حزب البعث بقيادة الرئيس السابق صدام حسين، ومحاكمة وإعدام الأخير بوصفه مسؤولاً عن مجازر دموية تسببت بإزهاق أرواح مئات ألوف العراقيين).

ولإضفاء مسحة عاطفية على قراره الذي جلب الخراب على العراق، أشار بوش إلى أن لحظة أداء جلال طالباني اليمين كرئيس للعراق لا تنسى بالنسبة إليه، وأنه بكى حينما تابع المشهد عبر التلفزيون.

بوش الذي ذهب إلى الكويت بدعوة من شركة مشاريع الكويت المتحدة (كيبكو)، قال في لقاء تجاهلته وسائل الإعلام الكويتية، ان مذكراته إلى ستصدر تحت اسم (لحظة القرار)، عبر دار النشر الأميركية (كراون)، ستغير نظرة العالم نحو أحداث وقعت خلال العقد الأخير، وسيركز على أبعاد ومضامين جديدة في قضايا العراق وأفغانستان وهجمات 11 سبتمبر2001، وتنظيم القاعدة.

وكما ذهب بلير إالى الكويت بعد ترك منصبه، عارضاً خدمات مؤسسته الاستشارية، عرض بوش أيضاً خدماته، عندما ذكر مضيفيه (مازحاً)، بأنه كان رئيساً للولايات المتحدة الأميركية والآن جاء يبحث عن عمل، علماً أن الرئيس الأميركي السابق ومنذ خروجه من الرئاسة مطلع 2009 انهمك في العمل تحت مظلة شركات النفط العملاقة في ولاية تكساس، التي تمتلك عائلته عدداً منها.

ليس البحث عن عمل وجمع الأموال، بعد ترك المنصب الكبير، ما يجمع بين بوش وبلير، إذ أن الأخير الذي يقال عنه انه أكثر رؤساء الوزراء البريطانيين تديناً منذ وليام غلادستون (1809-1898)، تخلى عن كنيسته القديمة لاعتناق الكاثوليكية، فيما رأينا بوش في أكثر من محطة يتحدث عن نفسه، بأنه رسول العناية الإلهية لإنقاذ العالم.

ولعل كثيرين يتذكرون ما نشره الصحافي الفرنسي جان كلود موريس من نصوص عن مكالمات هاتفية أجراها بوش مع جاك شيراك في محاولة لإقناع الرئيس الفرنسي السابق بالمشاركة في الحرب على العراق، وكيف غلف الرئيس الأميركي السابق كلماته بمعتقدات دينية تتبناها المسيحية الصهيونية، حتى انه وصف غزو بلاد الرافدين بالحملة الإيمانية المباركة، وأنه تلقى وحياً من السماء لإعلان الحرب على العراق.

ولعلنا سنقرأ في مذكرات بوش، المزيد عن الحروب الإلهية المقدسة، فكلماته أثناء الغزو عن الحروب الصليبية، لم تكن ذلة لسان، كما حاول، هو ومستشاروه تبريرها، وبما يحدثنا بتفصيل أوسع عن الأشرار الذين جنده الله لقتالهم، بوصفه قائد أخيار العالم.