لم نعد بحاجة الآن لا لضرب الرمل أو قراءة الفنجان فالمؤامرة كما تجري وقائع مشاهدها الآن على المستوى السوداني أو الإقليمي أو الدولي واضحة تمام الوضوح، ولمن يجادل في كلمة المؤامرة، فليعيد قراءة الكلام الجديد لأوباما ولكلينتون أميركيا، واتهامات المحكمة الدولية وتحركات مجلس الأمن أمميا، وفقدان الذاكرة واتجاه البوصلة والعجز عن التصدي للمؤامرة إقليميا، وليعيد قراءة الكلام الإسرائيلي القديم الجديد ليعرف من وراء الدراما السودانية وصولا للتراجيديا العربية.

الهدف هو تفتيت السودان وشغله بالحروب الأهلية لأنه بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه يمكن أن يصبح دولة إقليمية قوية، وإنه يجب ألا يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا بأن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي لأن موارده إن استُثمرت في ظل أوضاع مستقرة فستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب، ولذلك كان لابد أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة وهذا من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القومي الإسرائيلي.

هذا هو السيناريو الصهيوني المعادي بكل وضوح لوحدة السودان، وهو ما كشف عنه بلا أي أقنعة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (آفي ديختر) في محاضرة ألقاها في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ونشرتها الصحف العبرية يوم 10 أكتوبر 2008، واستعرض في هذا السيناريو الشرير المدعوم أميركيا لإعادة رسم الخرائط الشيطانية في المنطقة العربية استكمالا لمؤامرات التقسيم الأنجلو فرنسية للوطن العربي في (سايكس بيكو )عام 1916.

وعرض «ديختر» في محاضرته التقديرات الإسرائيلية الإستراتيجية للموقف في الساحات المحيطة بإسرائيل والخطط التقسيمية والفتنوية الطائفية والمذهبية والعرقية المطلوب إتباعها صهيونيا لضرب الأمن القومي العربي لضمان الأمن الصهيوني، بادئا بالحديث عن فلسطين ثم لبنان وسوريا، مرورا إلى العراق وإيران، منتهيا بتقديراته للسيناريو الصهيوني تجاه السودان ثم مصر.

الاهتمام الصهيو أميركي بالسودان الدولة العربية الأكبر مساحة نابع بالأساس من أنه يشكل العمق الاستراتيجي لمصر الدولة العربية الأكثر سكانا، وقد تجسد هذا بعد عدوان (1967) سواء في مؤتمر الخرطوم التاريخي لدعم جبهات المواجهة العربية مع إسرائيل وبلاءاتها الثلاث القوية «لا استسلام ولا اعتراف ولا تفاوض»، خاصة عندما تحوّل السودان وليبيا.

إلى قواعد تمركز وتدريب للقوات الجوية والبرية المصرية، وأيضا عندما أرسل السودان قوات إلى منطقة القناة شاركت المصريين في حرب الاستنزاف وفي حرب أكتوبر التي شنتها مصر وسوريا ضد إسرائيل.

لهذا سعت إسرائيل لإشعال الفتن والحروب الأهلية بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب، عن طريق تقسيم السودان، لإضعاف السودان وصولا لإضعاف مصر بتهديد الوحدة الوطنية المصرية وابتزازها عبر منابع النيل الجنوبية لخصم القيمة المضافة للسودان من معادلة الأمن القومي العربي، كما عملت على شل قدرة السودان العربي الأفريقي والإسلامي المسيحي على بناء دولة قوية موحدة،لأن تقسيم السودان من المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي يدعم الأمن القومي الإسرائيلي.

كلام «آفي ديختر» الجديد ينبع من كلام «جولدا مائير» القديم عندما قالت: «إن إضعاف الدول العربية الرئيسية واستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوة إسرائيل وإعلاء عناصر المنعة لديها في إطار المواجهة مع أعدائها، وهذا يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى.وكشفت مائير عن أن إسرائيل نتيجة بعدها الجغرافي عن العراق والسودان مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتفجير أوضاع هذين البلدين من الداخل لوجود الفجوات والثغرات في البنية الاجتماعية والسكانية فيهما». ديختر أشار إلى أن جميع رؤساء الحكومات في إسرائيل بدءًا من بن جوريون ومرورا ب جولدا مائير وليفى اشكول، واسحق رابين ومناحيم بيجين، ثم شامير وصولاً إلى شارون وأولمرت تبنّوا هذا الخط الإستراتيجي في التعاطي مع السودان الذي يرتكز (على تفجير بؤر وأزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب وبعدها في دارفور في الغرب وصولا لتنفيذ المؤامرة الشريرة لفصل الجنوب عن الشمال ولفصل الغرب عن الشرق.

هذا الخط الإستراتيجي كانت له نتائج ولا تزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكرياً واقتصادياً قادرة على تبوؤ موقع صدارة في العالمين العربي والأفريقي.

وقد أورد ديختر بعض المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلي في إشعال الصراع في جنوب السودان انطلاقاً من مرتكزات قد أُقيمت في أثيوبيا وفي أوغندا وكينيا وزائير لفصل ما هو عربي عما هو أفريقي.

وحول التآمر الإسرائيلي في دارفور قال ديختر: «إن تدخلنا في إنتاج وتصعيد البؤرة الجديدة في دارفور كان حتمياً وضرورياً حتى لا يجد السودان المناخ والوقت لتركيز جهوده باتجاه تعظيم قدراته، وما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا تتوقف لأن تلك الجهود كانت بمثابة المداخل والمقدمات التي أرست منطلقاتنا الإستراتيجية في أن سودانا ضعيفا ومجزأ وهشا أفضل من سودان قوي وموحد وفاعل».

وحول التعاون الأميركي الأوروبي الإسرائيلي قال ديختر: «إن الدور الأميركي في دارفور دور مؤثر وفعّال، ومن الطبيعي أن يسهم هذا في تفعيل الدور الإسرائيلي وإسناده، وقد كان من الصعب علينا الوصول إلى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه لولا الدعم الأميركي والأوروبي.»، ومؤكدا: (نحن متواجدون حاليا في دارفور لتأكيد خطنا الإستراتيجي من أن دارفور كجنوب السودان يجب أن يستقل)، وذلك لوضع حد للسيطرة عليه من قبل حكومة الخرطوم (العربية والإسلامية).

مشيرا إلى أن الفضل في وضع خطة التدخل الإسرائيلي في دارفور يعود إلى رئيس الوزراء السابق ارييل شارون عام (2003م).يذكر أن شارون قال حينها: (لقد حان الوقت للتدخل في غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا في جنوب السودان).

وأخيرا قال ديختر: أنهي بالقول: إن إستراتيجينا التي ترجُمت على الأرض في جنوب السودان سابقاً وفي غربه حالياً، استطاعت أن تغيّر مجرى الأوضاع في السودان نحو التأزم والتدهور والانقسام. وأصبح من المتعذر الآن الحديث عن تحوّل السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التي يطلق عليها «دول المواجهة مع إسرائيل».

هذا هو السيناريو التآمري الصهيو أميركي بكل وضوح لكل من يعرف القراءة.. فهل كنا قارئين.. وهل نحن قادرين على منع المؤامرة من المرور؟.. وهل يتحرك العرب والمسلمون.. أم ينتظر الثور الأبيض دوره بعد التهام الثور الأسود؟!!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com