يعاني العالم العربي من ضعف ثقافة العمل التطوعي؛ فما زال هذا النوع من العمل محدودا بدرجة كبيرة ومخيفة. فمعظم المؤسسات الحكومية لا تقبل بوجود متطوعين يعملون بها، وحتى المؤسسات الخاصة تخشى في الكثير من الأحيان القبول بهذا النوع من العمل.
ورغم محاولات العديد من المدارس والجامعات إلحاق التلاميذ والطلاب بالعمل التطوعي في المؤسسات العامة والخاصة إلا أن الكثير منها غالبا ما يواجه بالرفض وعدم التعاون.
وهناك العديد من الأسباب الكامنة وراء ضعف ثقافة العمل التطوعي يرتبط بعضها بطبيعة المجتمعات العربية والتطورات التاريخية المرتبطة بها، ويرتبط بعضها الآخر ببنية المؤسسات العامة والخاصة، وأخيرا يرتبط بعضها بوضعية الأفراد وتوجهاتهم والظروف السياسية والاجتماعية المحيط بهم.
لا تدعم البنية الأبوية في العالم العربي مسألة العمل التطوعي الذي يحتاج بداية لسياق من حرية الاختيار والارتباط والانتماء المجتمعي، وهي مسائل ضعيفة بدرجات متفاوتة بين مجتمع عربي وآخر.
فالعمل التطوعي عمل مجاني يتم بدون جبر ووفقا لتصورات الفرد وقناعاته؛ وبمعنى آخر فإنه يحتاج لأفراد لديهم حرية الاختيار والمفاضلة بين أمور حياتية كثيرة.
كما أن العمل التطوعي ينمو وينتعش في ظل مجتمعات تؤمن بقيمة العمل ذاته ورفع إنتاجية البشر وتطوير إمكانياتهم، وهي جوانب غائبة عن الكثير من الدول العربية، وبشكل خاص في المؤسسات الحكومية التي تتحول بمرور الوقت إلى عالة على ميزانيات الدولة.
إضافة إلى ذلك فإن الدولة عودت مواطنيها على اختيار كل شيء لهم بدءا من العمل إلى التعليم مرورا بطريقة الحياة اليومية، وهي مساءل عودت المواطن على الدعة والاستكانة وأضعفت روح المبادرة لديه.
وتتحمل المؤسسات الحكومية والخاصة على السواء جانبا كبيرا من ضعف ثقافة العمل التطوعي في العالم العربي. فالكثير من هذه المؤسسات تحكمها قوانين بالية أهمها الحفاظ على الأوضاع القائمة ورفض التغيير الذي ربما يجر على المستفيدين الكثير من المشاكل ووجع الرأس.
من هنا ففي ضوء رفض هذه المؤسسات التجديد والتطوير المرتبطين بعمل المؤسسات فإنه يمكن توقع تصور القائمين عليها لمعنى العمل التطوعي وأهميته. وإذا كان هذا التصور صحيحا بالنسبة للمؤسسات الرسمية فإن المؤسسات الخاصة لم تقدم بديلا مناسبا يُعتد به للعمل التطوعي ودعمه.
فالكثير من هذه المؤسسات عائلية تفضل السرية وعدم فتح أبوابها أمام العمل التطوعي مستفيدة من عمل الأفراد ومطورة لأدائهم. ويلفت النظر هنا أن كلا النوعين من المؤسسات، العامة والخاصة.
ليس لديهما أية إدارات تهتم بالعمل التطوعي وتطويره والدعوة إليه. وبدون العلاقات الشخصية فإنه لا يمكن لأي شخص الالتحاق التطوعي للعمل بأي من المؤسسات وإفادتها والاستفادة منها على السواء.
ولا تخفى وضعية البشر في الكثير من الدول العربية حيث ارتفاع نسب البطالة بشكل كبير وتراجع الإنتاجية وضعف المهارات. فالكثير من هذه الدول تشهد الآن نسب بطالة عالية فاقم من تأثيراتها الهائلة الأزمة المالية التي أصابت العالم في السنتين الأخيرتين.
وهو أمر لا يساعد على انتشار العمل التطوعي في ظل وجود نسب بطالة مقنعة عالية أصلا في المؤسسات الرسمية ناهيك عن البطالة الفعلية.
تحتاج ثقافة العمل التطوعي إلى دعم كبير من كافة مؤسسات الدولة بحيث يمكن قبولها والاستفادة من مردودها. وفي هذا السياق لابد من الإشادة ببعض الجامعات والمدارس التي بدأت تطبيق نظام العمل التطوعي كمتطلب رئيسي للطلبة.
فلم يعد هذا المطلب اختياريا بقدر ما أصبح مطلبا هاما ورئيسيا مثله مثل غيره من المقررات التعليمية المختلفة. وإذا ما تعاونت المؤسسات الرسمية والخاصة مع طلبات العمل التطوعي المقدمة لها وسهلت مهام طالبيها فإن ذلك يمكن أن يؤسس لقبول مجتمعي عام لثقافة العمل التطوعي سواء في الحاضر أو في المستقبل.
إضافة إلى ذلك لابد من إطلاق حملات إعلامية شاملة تؤكد على أهمية قيمة العمل بشكل عام وقيمة العمل التطوعي بشكل خاص.
فبدون الإلمام المجتمعي الشامل بقيمة العمل سوف تتراجع جاهزية الأفراد للعمل، وتتدنى نظرتهم له. كما أن عدم احترام قيمة العمل سوف ينشر ثقافة الاستسهال والرغبة في الكسب السريع بدون جهد حقيقي وعمل جاد.
كما أنه من الضروري أن توفر المؤسسات التي تقبل بالعمل التطوعي بها شهادات رسمية تبين عدد ساعات العمل للمتطوع بها، كما تكشف عن نوعية الخدمات التي قدمها للمؤسسة وللمتعاملين معها.
إن هذا النهج سوف يحقق المنفعة للطرفين، فمن جانب سوف تستفيد المؤسسات بتعظيم إنتاجيتها وتحسين مستوى الخدمات المقدمة منها، ومن جانب آخر سوف يستفيد المتطوع باكتسابه المزيد من الخبرات وحصوله على ما يفيد مساهمته بالعمل التطوعي في المؤسسة التي تطوع للعمل بها.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com