كلما أبدت القيادة الفلسطينية الرسمية المزيد من الاحتجاج على التوسع الاستيطاني الإسرائيلي ردت القيادة الإسرائيلية بالمزيد من بناء مستوطنات. وهكذا وصلت القضية إلى طريق مسدود. فماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة السقوط النهائي لاتفاق أوسلو وسقوط «خريطة الطريق» التي ابتدعتها اللجنة الرباعية الدولية. وبالتالي يعني موت «حل الدولتين».
إذ كيف يعقل أن تنشأ دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة دون أن تكون لها أرض تقوم عليها بينما خطط التوسع في البناء الاستيطاني اليهودي يواصل قضم مساحة هذه الأرض مترا بعد متر؟من هنا ينبثق السؤال الأكبر: إلى أين تتوجه القيادة الفلسطينية الآن؟
من أجل هذه الغاية عقدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية «وهي بتكوينها الحالي اسم مرادف للسلطة الفلسطينية وفصيل فتح» اجتماعا خاصا برئاسة السيد محمود عباس مطلع الأسبوع أصدرت بعده بيانا رسميا يتحدث عن «خيارات مطروحة».
ويلاحظ من الوهلة الأولى أن اللجنة لم تورد تفاصيل سوى القول إن من بين الخيارات رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي. ويلاحظ أيضا أن اللجنة لم تتخذ قراراً لاعتماد هذه «الخيارات» أو بعضها فهي ـ أي الخيارات ـ «موضع دراسة».
في كل الأحوال فإن الثابت أمامنا الآن هو أن قيادة السلطة صارت على مشارف مفترق طرق حاسم يتطلب منها أن تستحدث تغييرا جذريا وشاملا للنهج الذي ظلت تعتمده على مدى 17 عاما منذ أوسلو بعد أن ثبت لديها وللعرب وللعالم أنه نهج إفلاس لا يقود إلا إلى طرق مسدودة .
وبالتالي أيا تكون البدائل والخيارات فإن تجربة الماضي والحاضر العقيمة ينبغي أن تدعو القيادة إلى إعادة النظر في ثلاثة أنواع من العلاقات: العلاقة مع إسرائيل..
والعلاقة مع الولايات المتحدة والعلاقة مع الفصائل الفلسطينية الأخرى. وبطبيعة الحال فإن هذه الدوائر الثلاث ترتبط عضويا مع بعضها البعض.
علاقة السلطة مع إسرائيل تقوم على مبدأ التفاوض السلمي بمعنى نبذ العنف كوسيلة لتحرير الأرض من الاحتلال. وفي هذا الصدد يقول د. مصطفى البرغوثي مؤسس «المبادرة الوطنية الفلسطينية» ـ وهو شخصية مستقلة عن الفصائل ـ إن التفاوض بين طرفين غير متساويين لا يمكن أن يؤدي إلى نجاح.
فالنجاح في المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية يتطلب توازن قوى معقولا وشروطا مرجعية واضحة وامتناع الجانبين عن فرض حقائق على الأرض بقرار أحادي. وغني عن القول إن الواقع القائم نقيض ذلك تماما.
فالعملية التفاوضية تجري في كل مرة على خلفية تتسم بنفوذ حكومة إسرائيلية تسيطر على الأرض والطرق البرية والفضاء الجوي والحدود والمياه والكهرباء بقدر ما تسيطر على التجارة والاقتصاد الفلسطيني بينما تمتلك مؤسسة عسكرية ضخمة واقتصاديا متينا متناميا.
وبما أن إسرائيل تستغل قوتها الجبروتية بقدر ما تستغل ضعف الجانب الفلسطيني فإن أي عملية تفاوضية محكوم عليها سلفا بالفشل خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بما فيها حكومة نتانياهو الحالية تنطلق في تعاملها مع الطرف الآخر من معتقدات «توراتية» ترى في الضفة الغربية أرضا يهودية وفقا لوعد إلهي.
أما الولايات المتحدة فيكفي أنها الشريك الاستراتيجي الثابت والملتزم لإسرائيل إلى درجة أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة بما فيها إدارة أوباما الحالية لم تستشعر أدنى حرج في التضحية بالحقوق الشرعية الفلسطينية من أجل اعتبارات «أمن إسرائيل».
يقول أحد أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح إن إعلان واشنطن بشكل سافر تبنيها لموقف إسرائيل التي يشترط تجميدا مؤقتا للاستيطان باعتراف السلطة الفلسطينية بإسرائيل كدولة خالصة لليهود يدلل على بؤس الرهان على أي إمكانية لتلعب الولايات المتحدة دورا إيجابيا في إيجاد تسوية سياسية للصراع.
هنا نتوقف لنتساءل:
إذا كان التفاوض مع إسرائيل لا يخدم سوى إسرائيل كغطاء «شرعي» لاستمرار توسع البناء الاستيطاني مع اكتمال تهويد القدس الشرقية.. وإذا كان الرهان الفلسطيني على واشنطن لا جدوى منه على الإطلاق.. فأين تتوجه قيادة السلطة الفلسطينية؟
لن تكون هناك جدوى من اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي. فأيا يكون المطلب الفلسطيني من المنظمة الدولية سوف يجد في انتظاره الفيتو الأمريكي. ألا يجدر بالرئيس عباس أن يراجع علاقة فصيل فتح ـ وبالتالي السلطة الفلسطينية ـ مع قيادات الفصائل الأخرى؟
كما سبقت الإشارة فإن التشدد الإسرائيلي ـ الأمريكي في التعامل مع قيادة السلطة يعتمد على ضعف السلطة وفصيل فتح.. وضعف السلطة والفصيل ناتج عن الانشقاق الخطير في الصف الوطني الفلسطيني مما يعوق تشكيل جبهة وطنية فلسطينية عريضة.
في بيانها المشار إليه شددت منظمة التحرير على «ضرورة مواصلة العمل من أجل إنهاء ملف المصالحة الوطنية.. بما يقود إلى توفير مناخ جديد وجدوى في الساحة الفلسطينية..».هذا كلام مشجع. ونأمل أن يتبع القول بفعل ينتهي إلى إعادة بناء منظمة التحرير بما يحقق الإجماع الفصائلي المنشود.
كاتب صحفي سوداني
yehia_25@hotmail.com