سوف نعلم على وجه الدقة في نوفمبر المقبل مدى غضب الجمهور بشأن الكثير من الأمور، بدءاً من فرض ضرائب أعلى حتى البطالة واسعة النطاق.

ولكن هذه الضجة الجماهيرية تبدو متواضعة بالمقارنة بالشعور بالمهانة حيال إفلاسنا نحن الأميركيين. في عام 2008، كان الجمهور غاضباً من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ليس لأنه كان شديد التقتير، بل لأن عهده كان يعاني مما يعتقد آنذاك أنها حالات عجز ضخمة. وكانت النتيجة أنه في ظلّ إدارة يفترض أنها محافظة، ورغم ست سنوات من سيطرة كونغرس يزعم أنه يعتمد منهاج الحكومة الصغيرة، فقد تضاعف العجز تقريباً من 3. 3 تريليونات دولار إلى 3. 6 تريليونات دولار، في غضون ثماني سنوات فقط.

ويبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يدرك قط أنه تم انتخابه جزئياً بسبب أن هذا الاقتراض الجمهوري الهائل قد أثار ضيق الشعب الأميركي. لذلك، وبطريقة شبه انتحارية، ورث أوباما عجز الموازنة الذي أصاب نهاية فترة ولاية بوش والذي تجاوز 500 مليار دولار، ومن خلال محاولة كينزية ( تدخل القطاع العام) للخروج بالبلاد من الركود والذعر المالي في 2008، ورفع العجز إلى ثلاثة أضعاف تقريبا بحلول عام 2010. وسوف يضيف الحبر الأحمر الجديد لأوباما أكثر من 5. 2 تريليون دولار إلى الدين القومي الأميركي، بما يقارب تريليون دولار من العجوزات سنوياً خلال العقد المقبل. كل ذلك يسفر عن دين أميركي يزيد على 20 تريليون دولار.

ما هو بالضبط الأمر المتعلق بالعجوزات الكبيرة وديننا المتراكم الذي بدأ يستفزّ الناخبين؟

أولاً، سئم الجمهور من اللامبالاة التي يتبعها الموظفون العموميون في التصرف في أموال الآخرين، دون التفكير في سدادها. وفي كل أسبوع، يقدم الرئيس أوباما وعداً لمجموعة أخرى من ذوي المصالح بالحصول على المزيد من القروض بمليارات الدولارات، والتي تسمى الآن تلطفاً بـ «الحافز».

ولكن كلما قدم المزيد من الأموال العامة للولايات، أو الموظفين العموميين أو العاطلين عن العمل أو الصناعة الخضراء، كلما زادت تساؤلات الجمهور عن مصدر حصوله على هذه السيولة. وفي المرة المقبلة التي يضع مسؤول عمومي فيها اسمه على مشروع اتحادي، فلندعه على الأقل يعترف بما إذا كانت هذه السيولة قد تم تعويمها مع الأموال المقترضة من عدمه.

ثانيا، هناك شعور متنامٍ باليأس من أنه حتى زيادة الضرائب على الدخل لا يمكن أن تغطي العجوزات الهائلة. فعلى الأقل أحدثت معدلات الضرائب القديمة في عهد الرئيس الأسبق كلينتون في التسعينات توازنا في الميزانية. ولكن حتى إذا أعدناها مرة أخرى، فسوف يستدعي ذلك حدوث عجز بأكثر من تريليون دولار في عام 2011، نظراً للزيادات الهائلة في الإنفاق الفيدرالي.

وذلك الواقع القاتم ينشأ عنه اليأس والغضب بين الناخبين، الذين يشعرون أنهم يُخدعون من قبل مسؤوليهم المنتخبين. والجمهور يعارض الزيادات في الضرائب ليس لأنهم لا يرغبون في سداد الديون، ولكن لأنهم يشكون من أن العائد المتزايد سوف يكون بمثابة ضوء أخضر للإنفاق بالعجز.

ثالثاً، ليس أمراً مجدياً بالنسبة للتكنوقراطيين في واشنطن أن يفسروا كيف أن العجوزات تعتبر جيدة في تحفيز الاقتصاد، أو لماذا لا يتعين سدادها حقاً. والناخبون يعرفون أن هذا الهراء لا ينطبق على الرهونات العقارية وفواتير بطاقات الائتمان الخاصة بهم.

يشعر الناخبون بالارتياح عندما يمكنهم سداد الديون، ويصيبهم الاكتئاب المزمن عندما يعجزون عن السداد. وكانت المرة التي حققت فيها الحكومة توازناً في الميزانية في عام 2000 تحت إدارة الرئيس الأسبق «بيل كلينتون» و»الكونغرس الجمهوري»، ارتفعت المعنويات في أميركا بشكل جماعي، بالقدر نفسه الذي تشهد مهانة نتيجة السخرية من كونها مقترض مبذر.

لذا فإن السمعة الوطنية وعزة النفس أمران مهمان.فالأميركيون سئموا من السماع بصعود الصين الحتمي والتراجع الأميركي. وهم يعرفون أن الصين لا تزال في العديد من الجوانب بلداً نامياً قمعياً يواجه تحديات هائلة سياسياً وبيئياً وديموغرافياً.

ولكنهم يسلمون أيضا بأن الميزانية الضخمة والفوائض التجارية للصين ينتج عنها احتياطيات من السيولة تقدر بتريليونات الدولارات، ومن ثمّ اكتسبت الصين نفوذاً عالمياً واحترام العالم وينتظرها مستقبل واعد، وهو الأمر الذي فيما يبدو لا ينطبق عليه أيضاً مبدأ أنفقي الآن يا أميركا وادفعي لاحقاً.

رابعا، هناك خوف حقيقي حيال أمر رهيب سيحدث قريباً من جرّاء هذا المستوى من الإنفاق الذي لا سبيل لاستدامته. أسعار الفائدة عند أدنى مستوياتها التاريخية. ولكنها إذا ارتفعت، فإن مجرد سداد الديون الحالية سوف يكلف المزيد من مئات المليارات من الدولارات المقترضة.

سوف نواجه قريباً خياراً قاتماً، يتمثل إما في خفض الدفاع الوطني أو الضمان الاجتماعي، أو كليهما، وذلك على وجه الدّقة في الوقت الذي يزيد فيه عدد كبار السن في البلاد، ويصبح العالم أكثر خطورة من أي وقت مضى. فهل سيقرضنا الصينيون المال لنشر حاملة طائرات قرب سواحلهم، أو تمويل استحقاقات الرعاية الصحية الأميركية الجديدة، والتي لا يستطيعون توفيرها لـ 400 مليون شخص من أبناء الشعب الصيني؟

في هذه الانتخابات المقبلة، فإن جميع الإيجابيات السياسية القديمة، التي تتمثل في سنوات من المسؤولية، والأقدمية الراسخة ومخصصات للمحسوبيات، تبرهن على استحقاقات بالسلب. وبدلاً من ذلك، فكلما أقرّ المسؤولون بأنهم يسيطرون على مقاليد الأمور، فيما تريليونات من الدولارات تنفق، رغب الأميركيون في تنحيتهم عن مناصبهم .

إننا نتعرض للمهانة بما ندين به. فإن لم نستطع سداد الدين، فسوف يكلف ذلك على الأقل ثمناً سياسياً.

الأمر بهذه البساطة خلال هذا العام.