قصرت أغلب وسائل الإعلام العربية في تغطيتها لفضيحة جواتيمالا التي أعلن عنها مؤخرا. فلو أنها أعطت الموضوع حقه لأسهمت في فتح ملف قضية على جانب كبير من الأهمية للإنسانية عموما ولنا نحن العرب والمسلمين على وجه التحديد.

فمنذ أسابيع كانت أستاذة جامعية أميركية قد وثقت من خلال أبحاثها أن هيئات حكومية أميركية قد قامت عمدا في الفترة بين عامي 1946 و1948 بإصابة ما يربو على السبعمائة من أبناء جواتيمالا بمرض الزهري. وكان الهدف الأساس من نقل العدوى لهؤلاء هو إجراء التجارب الطبية عليهم. وإجراء التجارب على البشر- دون ضوابط صارمة أهمها علمهم الكامل وموافقتهم الحرة فضلاً عن عدم تعريض حياتهم للخطر- جريمة وفق كل المواثيق والأعراف الدولية.

وقد ركزت التغطية الإعلامية في أغلب وسائل إعلامنا وباستثناءات محدودة على الواقعة ذاتها وتفاصيلها، واكتفت بذكر أن مسؤولين أميركيين بمن فيهم الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية هيلارى كلينتون قدموا اعتذارا رسميا لشعب وحكومة جواتيمالا، وتعهدوا بعمل كل ما يلزم لضمان عدم تكرار ما جرى، ثم؟ ثم انتهت التغطية وانصرف كل إلى حال سبيله.

غابت إذاً الأسئلة المهمة وتم عرض الموضوع بشكل مقطوع الصلة بالماضي والحاضر، بل وكأنه لا يعنينا. فهي جريمة حدثت في جواتيمالا على أية حال، ثم أن وقائعها جرت في الأربعينات. لم يسأل الكثيرون هل تمثل تلك الجريمة سلوكا استثنائيا أم أنها تكررت؟ وهل ارتكبت جرائم أخرى مماثلة بعد ذلك التاريخ؟ وماذا عن الماضي القريب والحاضر؟ وهل يكفي أن يحصل الناس على «وعد» من مسؤولين حكوميين بعدم التكرار؟

والحقيقة أن الإجابة عن كل تلك الأسئلة تهم العالم كله الذي يعج بالقواعد العسكرية الأميركية. وهي تهمنا نحن العرب والمسلمين بشكل خاص، لأن الولايات المتحدة تحتل بلدين كبيرين في عالمنا العربي والإسلامي. والقوات الأميركية ارتكبت في عهد بوش جرائم لا تقل في وحشيتها عن جريمة جواتيمالا. ومن ثم كان الأجدر بنا أن نعتبر ما جرى في جواتيمالا حافزا يدفع إعلامنا للقيام بدوره في تقصي الحقائق بشأن ما يحدث في الحاضر ومراجعة القواعد التي تم إرساؤها بعد أحداث سبتمبر، وما إذا كانت قد شجعت على إجراء التجارب على البشر.

وقد يفيد في هذا الإطار أن نضع جريمة جواتيمالا في سياقها التاريخي. فلعلها من المفارقات الجديرة بالانتباه وربما المثيرة للقلق أن ما جرى في جواتيمالا حدث على يد الأميركيين في العام نفسه الذي كانوا يهنئون فيه أنفسهم على الانتصار على النازي واشتراكهم في محاكمات نورمبرج التي مثل أمامها 20 طبيبا نازيا بتهمة إجراء تجارب على البشر في البلاد التي احتلها النازي. بعبارة أخرى، فلا الأضواء المسلطة في ذلك الوقت على الجرائم التي ارتكبها النازيون ولا المحاكمات التي كانت دائرة مثلت رادعا يمنع من ارتكاب الجريمة نفسها.

أكثر من ذلك، عرف العالم كله بعد سنوات من نهاية عهد الفصل العنصري في أميركا أن هيئات صحية أميركية مارست في تلك الحقبة البغيضة وحتى بداية السبعينات جرائم مماثلة، حيث تبين أنها أجرت تجارب على المئات من المصابين بمرض الزهري من السود الأميركيين الفقراء.

وتلك التجارب التي استمرت حتى السبعينات قد تثبت الأيام أنها أجريت على بشر آخرين في مكان ما بالعالم في الثمانينات والتسعينات، لكن هناك من المؤشرات ما يوحي بأنها ربما عادت من جديد بعد أحداث سبتمبر 2001.

فهناك تقارير تشير إلى أن بول وولفوويتز الذي كان نائبا لوزير الدفاع الأميركي في إدارة بوش الابن كان قد أصدر قرارات وتوجيهات في عام 2002 هدفها تخفيف الحظر المفروض في قواعد الجيش والمخابرات على إجراء التجارب على البشر. فلعل القارئ يذكر أن إدارة بوش الابن كانت بعد أحداث سبتمبر قد أصرت منذ اللحظة الأولى على عدم اعتبار من تعتقلهم «أسرى حرب» تنطبق عليهم كل الحماية الدولية المكفولة وفق اتفاقات جنيف.

فهي اخترعت اسما لهؤلاء المعتقلين هو «مقاتلي العدو» وأعفت نفسها من أية التزامات دولية إزاءهم، لكن بقي في الواقع الالتزامات المفروضة عليها بموجب القانون الأميركي نفسه. ومن هنا، كان هدف ولفوويتز هو تخفيف الحظر وفق القانون الأميركي.

أكثر من ذلك، نشرت في الأسابيع الأخيرة تقارير تفيد بأنه قد تم بعد 11 سبتمبر أيضا تغيير القواعد الحاكمة لتدريب المحققين الذين يتولون التعامل مع المعتقلين. فقد تضمنت التدريبات التركيز على أساليب تعذيب جديدة لإجبار المعتقل على الإدلاء بالمعلومات وتركزت صراحة على العزل والإهانة والضغوط البدنية والنفسية، لكن تبين أيضا أن كل ذلك كان يحدث تحت رقابة طبية مستمرة يخضع خلالها المعتقل لفحوص واختبارات طبية مستمرة.

ومن هنا توجد شبهات توحي بأن تلك الفحوص لم تكن تجرى فقط لضمان عدم تعرض المعتقل للوفاة قبل إدلائه بالمعلومات، وإنما من أجل معرفة تطور الحالة وتأثير كل تقنية من تقنيات التعذيب على الصحة النفسية والبدنية للمتعرض لها، أي إجراء تجارب على أولئك المعتقلين ثم الاستعانة بنتائج تلك البحوث في تدريب الجنود الأميركيين على وسائل تمكنهم من مقاومتها عند الوقوع في الأسر.

باختصار، لا يكفي أن يقول مسؤول ما إنه يتعهد بضمان عدم تكرار جرائم ارتكبتها بلاده. فلابد من ضغوط دولية أولاً لتعويض من ثبت تعرضهم لتلك الجريمة، وثانياً لمراجعة القواعد التي تم تغييرها بعد أحداث سبتمبر.