هناك قناعة لدى الكثير من المشتغلين في أروقة السياسة أن ميزان القوى يصب في اتجاه إسرائيل وأنها تمتلك الكثير من أوراق اللعبة لكي تفرض شروطها وتمضي برؤيتها إلى مداها الأوسع، ومن ثم تلهث باقي الأطراف بحثا عن السلام لكن من خلال ما تتفتق عنه العقلية الصهيونية المحتلة.

وليس لزاما في هذه الحالة أن تخرج المبادرة من تل أبيب فهناك الكثير ممن يتبرعون بالإنابة عنها في ترويج المشاريع وتسويق أفكارها وتوجيه الدعوات واحتضان الاجتماعات، والأمثلة كثيرة على ذلك لعل آخرها المفاوضات المباشرة التي سعى لها رئيس وزراء الكيان بنيامين نتانياهو بكل إصرار مع أن كل دلائل الواقع تشير إلى عدم إمكانية تحقيق ما يمكن التعويل عليه، وأنها ليست إلا مرحلة استنزاف للوقت حتى حان موعد إطلاق سعار الاستيطان في الضفة الغربية.

هذه القناعة الموهومة تسربت إلى النفوس وتشربتها العقول نتيجة لسيل من الاحباطات التي شهدها الواقع العربي والإسلامي في أكثر من صعيد، ومن خلال متواليات الأحداث التي مرت على عموم المنطقة ازدادت القناعة بضرورة القبول بالمتوفر وان حمل هشاشته في ثناياه وانه ليس في الإمكان أفضل مما كان، واضحي أصحاب الأرض يقدمون التنازل تلو التنازل على طاولة التفاوض مع الترويج بأن أسطورة القوة التي تدعيها دولة الاحتلال هي حقيقة لا يمكن تجاوزها فضلا عن الانتصار عليها، وهكذا بدت الصورة باهتة لا تحمل أية معالم تشير إلى الاعتراف بالحق الفلسطيني وفقا للقرارات الدولية التي ضمنتها القوى الكبرى وذهبت كل تصريحات قرب التوصل إلى حل أدراج الرياح.

بعيدا عن المبالغة في رفد الذات بامتلاك الأمة العربية بكل عناصر القوة نستطيع أن نؤكد بان هناك الكثير من الذي نستطيع القيام به لكي نحسن من شروط التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي، و إذا ما تعاملنا وفقا لأساليب أوراق الضغط فلدينا منها ما يعطي مجالا لعدد من المناورات التي ستحرج الطرف الآخر، بل وستنهكه على المدى البعيد، ولدينا من المصالح مع دول العالم ما يفوق بمراحل ما يمكن أن تقدمه حكومة تل أبيب ولا ينقصنا سوى الالتفات الشفاف إلى الذات والاعتراف بالقصور في إدارة الصراع بكل الكفاءة التي تتوزع على المساحة العربية.