ليس من المبالغة في شيء القول إن الأسبوع الثقافي الذي دشنه مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية مع مطلع هذا الأسبوع، الذي تتواصل فعالياته تحت عنوان (الوثيقة العمانية أثر حضاري وإرث معرفي) هو في الواقع من أهم الأنشطة والفعاليات التي يقوم عليها مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية في إطار دوره ومهامه وفي مقدمتها التواصل الحضاري مع الشعوب والثقافات الأخرى والسعي إلى القاء مزيد من الضوء على العديد من جوانب الثقافة والتراث العماني العريق، والإسهام في كل ما من شأنه دعم الحوار مع الآخر وتقديم الفكر العماني بوجه خاص، والإسلامي بوجه عام، على النحو الصحيح.

وفي ظل ماهو معروف من أهمية كبيرة للوثائق التاريخية، التي تعد بمثابة ذاكرة التاريخ، في القيام بالعديد من الدراسات والبحوث التاريخية والاجتماعية، وفي التعرف كذلك على طبيعة وجوانب الحياة المختلفة خلال الحقب الماضية، وإظهار مدى الإسهام العماني في الحضارة العربية والإنسانية بوجه عام، وفي مختلف التطورات التي شهدتها القرون الماضية، فإن الفعاليات التي يتضمنها الأسبوع الثقافي حول الوثيقة العمانية يوفر خدمة جليلة للباحثين وللتاريخ العماني القديم والحديث أيضا.

كما أنه يوفر لهذا الجيل والأجيال القادمة فرصة حقيقية لرؤية الماضي واستيعاب دروسه وخبراته، خاصة وأن الحاضر هو ابن الماضي، والمستقبل هو ابن الحاضر كذلك.

من جانب آخر فإن العناية بالوثائق العمانية والعمل المتواصل من أجل تجميعها وترميمها وحفظها بالأساليب العلمية الموضوعية، وإتاحة دراستها العلمية من جانب الباحثين والمتخصصين العمانيين وغيرهم، إنما تشكل جزءا من جهد وطني واسع ومتواصل منذ انطلاق مسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ خاصة وإن وزارة التراث والثقافة كانت من أوائل الوزارات التي بدأت جهدا علميا ومنظما في هذا المجال ولا تزال تواصل جهودها المشكورة تلك، بالتعاون مع عدد من الأشقاء والأصدقاء ممن عرف عنهم المهارة والخبرة في ترميم الوثائق والحفاظ عليها بشكل علمي مناسب.

جدير بالذكر أن إنشاء دار الوثائق والمحفوظات الوطنية، وكذلك الأرشيف الوطني والعمل من أجل أن يكونا على أحدث النظم المعمول بها في مجال حفظ وتصنيف وأرشفة الوثائق الوطنية، يعبران أيضا عن عمق الاهتمام السامي بالحفاظ على الوثائق العمانية بالشكل الصحيح.

وإذا كان قد تم جمع واسترجاع العديد من الوثائق العمانية من داخل السلطنة وخارجها أيضا، فإن تعزيز التعاون في هذا المجال مع الأشقاء والأصدقاء والهيئات الدولية التي تتوفر لديها بعض الوثائق لسبب أو لآخر، هو أمر بالغ الأهمية، سواء لاستعادة الوثائق ذاتها، أو على الأقل الحصول على نسخ منها من أجل استكمال وثائق المراحل التاريخية العمانية المختلفة، قدر الإمكان.

وإذا كانت حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لا تدخر وسعا في مجال جمع وحفظ الوثائق العمانية، فإن دورا ومسؤولية كبيرة تقع أيضا على عاتق المواطنين العمانيين الذين يمتلكون بعض الوثائق، أو تمكنوا من جمعها بطرقهم الخاصة من داخل أو خارج السلطنة.

فالوثائق المتوفرة لهؤلاء المواطنين، سواء كانوا باحثين أو هواة، معرضة بالقطع إلى التلف لأسباب عديدة تتعلق بعدم القدرة على الحفظ الصحيح لتلك الوثائق من ناحية ولمخاطر الفقدان من ناحية ثانية.

ولذا فإنه من الأهمية بمكان تقديم مثل تلك الوثائق إلى وزارة التراث والثقافة لكي تقوم بترميمها بالشكل الصحيح وحفظها كذلك وهو ما يجعلها مفيدة للباحثين والمهتمين بالدراسات العمانية، ومن ثم مفيدة في النهاية للوطن والمواطن