مشكلة المخدرات الأفغانية تستفحل وتنمو بشكل غير عادي، بعد أن أصبح حوض بحر قزوين واحدا من أهم طرق تهريب الهيروين وغيره من المواد المخدرة إلى روسيا، ومنها إلى دول أخرى، وبات توزيع هذه المخدرات في روسيا وانتشارها بشكل مفزع بين الشباب من الجنسين مشكلة كبيرة تؤرق الدولة وأجهزتها والمجتمع بأكمله.
فقد ثبت بالإحصاءات الرسمية أن عدد ضحايا المخدرات المهربة من أفغانستان إلى روسيا يصل سنويا إلى نحو ثلاثين ألف شخص، علما بأن نفس المصيبة موجودة في الصين التي يدخلها كميات من مخدرات أفغانستان شبيهة بقرينتها في روسيا، ومن المتوقع أن تزداد هذه القضية تعقيدا عما قريب، أي بعد سريان مفعول اتفاق الفضاء الجمركي الموحد بين روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان.
ويرى الخبراء أن مكافحة تهريب المخدرات على هذا الطريق تستدعي اتخاذ تدابير أمنية مشددة على امتداد حوض بحر قزوين، لكن هذا الأمر ينطوي على كثير من الصعوبات. منها أن الدول المطلة على بحر قزوين لم تتوصل بعد إلى اتفاق على ترسيم الحدود البحرية فيما بينها، وهذه الحدود غير محددة المعالم والخطوط منذ انهيار الاتحاد السوفييتي حتى الآن.
ناهيك عن وجود خلافات سياسية بين العديد من دول المنطقة تجعل مشكلة التعاون الأمني بينها صعبة على الحل، وقد انعقد لقاء لمدة يومين افتتح في مدينة آستراخان الروسية لمناقشة سبل مكافحة تهريب المخدرات عبر الدول المطلة على بحر قزوين.
ونقلاً عن مصادر في الهيئة الفيدرالية الروسية لمكافحة تهريب المخدرات تقول ان ممثلي جميع هذه الدول يشاركون في أعمال اللقاء، بمن فيهم ممثلون عن إيران. وبغض النظر عن الخلافات السياسية بين طهران من جهة وموسكو والمجتمع الدولي من جهة أخرى، يبدو أن الجمهورية الإسلامية مضطرة للتعاون في مجال مكافحة تهريب المخدرات عبر أراضيها.
وجاء في تقرير نشرته الأمم المتحدة مؤخرا أن تسرب الأفيون الأفغاني إلى الأسواق العالمية يتم أساسا عبر إيران، إذ إن 40% من المخدرات المنتجة في أفغانستان تهرّب عبر الأراضي الإيرانية (تبلغ نسبة التهريب عبر طاجكستان وباكستان 30%).
وكان رئيس الهيئة الفيدرالية الروسية لمكافحة تهريب المخدرات فيكتور إيفانوف أعلن أمس عن وجود مؤشرات تدل على تزايد حجم التهريب، وسلوك المهربين طرقا جديدة عبر أراضي تركمانستان ومنطقة القوقاز، بالإضافة إلى مرافئ البحرين الأسود وقزوين. وأوضح إيفانوف أن تصريف الهيروين في روسيا وحدها يعود على مافيا المخدرات بزهاء 16 مليار دولار سنويا. وتشكل هذه العائدات الضخمة مصدرا قويا لتمويل عصابات الجريمة المنظمة.
كما أن جزءا منها يستخدم في تغذية التطرف والنشاطات الإرهابية، وبحسب معطيات الهيئة تضاعف عدةَ مراتٍ حجمُ المخدرات المصادرة في داغستان خلال العام المنصرم، ويلفت المسؤول الروسي إلى أن استراتيجية الناتو لمكافحة المخدرات في أفغانستان منيت بفشل ذريع، فقوات الحلف ركزت على تدمير مخابر إنتاج المخدرات بدلاً من مكافحة زراعة الأفيون، الأمر الذي جعلها تخسر معركتها ضد هذه الآفة، وجدير بالذكر أن كلاً من روسيا والصين طلبتا مرارا وتكرارا من واشنطن وحلف الناتو اتخاذ إجراءات عملية لمكافحة المخدرات التي تعترف واشنطن نفسها بأنها المصدر الأساسي للتطرف والإرهاب.
ولكن واشنطن والناتو لم يستجيبا لرجاء موسكو وبكين، خاصة ما طلباه بشأن حرق مزارع المخدرات في أفغانستان، وهو الأمر المرفوض تماما من قبل واشنطن بحجة أن قطاعا كبيرا من الشعب الأفغاني ليس له مصدر للرزق سوى زراعة المخدرات، وكأن واشنطن تريد أن تساعد الشعب الأفغاني بالإبقاء على زراعة المخدرات.
وحسب تقارير الأمم المتحدة فإن المخدرات الأفغانية تشكل وحدها أكثر من نصف سوق المخدرات في العالم كله، وتدر عوائد سنوية لا تقل عن مائة وعشرين مليار دولار، ولا يٍسأل أحد أين تذهب هذه العوائد الهائلة، ولا أحد يفكر في تتبعها في بنوك العالم، وكأن هناك جهات عليا وراءها تحميها وتستفيد منها.
