عندما كانت ربى الجيزة الحاليات بلا ضباب ولا ركام لعادم السيارات ولا زحام يخنق الروح، وحينما كانت جامعة القاهرة ألقا في الأفق ودفئا في القلب وطاقة في الذهن، سألت أستاذنا المغفور له بإذن الله تعالى دكتور حامد ربيع سؤالا بعيدا عن النظرية السياسية، التي كان يدرسها لنا: ما هو أهم كتاب ألفه مؤلف غربي عن سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يضيئ للقارئ الغربي درب معرفته بالرسول وفي الوقت نفسه يعمق معرفة القارئ العربي المسلم؟
الكثيرون لا يعرفون عن هذا العالم الجليل أن أول كتاب أصدره كان بعنوان «الروح»، وكان محبا للعقاد ومن رواد صالونه الدائمين، وكان من المفكرين الذين قدر لهم الرحيل عن عالمنا العربي مضطرين، في أواخر الخمسينات، وربما لهذا كله شردت عيناه، كأنما رحلتا بالتأمل نحو أفق بعيد، قبل أن يرد على مهل قائلا: إنه ليس كتابا واحدا، وإنما ثلاثة كتب لمؤلف واحد، هو العلامة وليام مونتجومري وات، الأستاذ بجامعة أدنبره، وقتذاك، وهي على التوالي «محمد في مكة» و«محمد في المدينة» و«محمد نبيا ورجل دولة».
على الرغم من أن الكتاب الأجنبي كان ذاك، قبل أربعين عاما، كان أقرب إلى الغول والعنقاء والخل الوفي، لندرته وتعذر الحصول عليه، إلا أنني وأعداد لا يستهان بها من أبناء جيلي نجحنا في العثور على نسخ من الكتب الثلاثة، في معرض الاستجابة لكلمات دكتور ربيع!
شرقت بنا الأيام وغربت، وعلى الرغم من أنني فقدت الكتب الثلاثة في صحراء السويس خلال الخدمة العسكرية في صدر السبعينات، إلا أنني لم أستطع قط نسيان المنهاج الموضوعي الدقيق والراقي، الذي وظفه وات في دراسة سيرة سيد الخلق جميعا، والمرات العديدة التي أعدت فيها قراءة مقاطع بعينها من الكتابين الأول والثاني، على حين كان الكتاب الثالث بمثابة تلخيص شديد الدقة لهما معا.
ومن المحزن أن أحدا في عالمنا العربي الإسلامي لم يتبن إعادة طبع الكتب الثلاثة، لتكون مصابيح منيرة تضيء للقراء على امتداد الدنيا صورة دقيقة للرسول الكريم، تتصدى للخلط والتخليط الذي يسود الكتابات الغربية في هذا الميدان اليوم.
بل ان مما يملأ القلب شجنا أن الترجمة العربية لكتابي «محمد في المدينة» و«محمد في مكة» لم يعد لها وجود في أيدي القراء، ولعل من لديه نسخة منهما يدرك أيما كنز ثمين بين يديه، فيعتز به، من دون أن يضن به على طالب علم أو ساع إلى معرفة.
لم أملك إلا الترحم مجددا على دكتور حامد ربيع، عندما أسعدني حظي بوضع يدي على كتاب «عن محمد» الصادر أخيرا عن دار «ليجاسي» اللندنية من إعداد وتقديم الدكتور عبدالوهاب الاستاذ بجامعة وستمنسنر، والذي يحمل العنوان الفرعي الدال «الرؤية الغربية الأخرى لنبي الإسلام ـ مقتطفات قصيرة لكتاب غربيين عن الرسول من القرن الثامن عشر حتى اليوم». في قلب النصوص الاثني عشر لمشاهير الكتاب الغربيين عن الرسول الكريم، كان هناك نص لمونتجومري وات من كتابه «محمد نبيا ورجل دولة»، منقول عن طبعة أكسفورد لعام 1964، وهي الطبعة نفسها التي سعدت باقتناء نسخة منها في صدر العمر.
الخط الناظم لهذه النصوص الاثني عشر التي يضمها كتاب «عن محمد» هو أنها جميعها تصب في عكس تيار الخلط والتخليط، الذي يروج له البعض الآن عن الإسلام على الساحة العالمية، والذي يحفل بالأخطاء ومحاولات التشويه والمغالطات.
هذه النصوص تتألق كضياء باهر في عالم تتراكم فيه الظلمات، ويلفت نظرنا فيها نص للكاتب الأميركي جون إسبوستيو من كتابه «محمد نبي الله في الإسلام» ونص للكاتبة كارين أرمسترونج من كتابها «محمد نبي لعصرنا» ونص للمستشرقة الألمانية أنا ماري شيمل من كتابها «محمد في الإسلام».
ولعلنا نجد في عالمنا العربي من يبذل الجهد ويكرس الموارد، ليجعل هذه الكتب متاحة ومتوافرة، كجزء من جهود التصدي لتيارات التجهيل الغربية، التي يحاول المنخرطون فيها الإساءة إلى ديننا الحنيف.