لكل إيديولوجية رموز وأفكار قديمة وحديثة؛ الدينية لدى أتباعها تُعتبر من الثوابت وذوات خطوط حمر. هذه حقيقة واقعة لا يجب التنقيص من شأنها حفاظاً على الحد الأدنى من الاحترام المتبادل بين الفئات المختلفة. غمز ولمز الرموز الدينية والمذهبية يمكنه بسهولة إيقاظ الفتن والزج بالبشر في أتون صراعات أهلية مدنية، تبدأ بسهولة ولا تنتهي حتى بصعوبة.
أفراد ومجموعات، جد محدودة العدد والنفوذ، قادرة على إحداث هرج ومرج هائل بين الكتل البشرية الضخمة. رسام كاريكاتير يحرك شارعاً شعبياً ضخماً باستخدام أدوات رسم بدائية. قس كنيسة ذو مظهر «نازي جديد» يود حرق نسخ من القرآن الكريم، في ذكرى حوادث 11 سبتمبر 2001 المثيرة للجدل، يثير تشنجات واسعة عبر العالم. رجل دين مذهبي يهاجم رموزاً لأهل المذاهب الأخرى، واضعاً الأمور على حافة المواجهة المفتوحة بين أتباع المذاهب. قس كنيسة يطعن بشرعية بعض النصوص الدينية يود لو يتمكن من تصحيحها؛ مثيراً جدلاً وضغائن لدى المستهدفين بالتصحيح.
الصورة واضحة وسهلة التنفيذ. أفراد ومجموعات تعدّ على أصابع اليد الواحدة من المنسيين عقائدياً والمندثرين على هامش الحياة والزمن قادرة على تحريك كتل بشرية هائلة. هؤلاء يتلقون دعماً غير محدود من مديري وسائل الإعلام على مدار الساعة، لملء الفراغ الهائل في ساعات العمل. رموز الإعلام يصرفون الكثير من الوقت لزخرفة وتكبير وتعظيم الفكر الجذري المتطرف. الأمر يشبه إعادة بث الروح لأجناس بل ألوان الأفكار المنقرضة. مجانين الأديان والمذاهب والطوائف والأعراق يقودون الكتل البشرية إلى حواف التصادم. لا يمانعون أن يروا كتلاً بشريةً تحترق في «حقول موت»، فرحين فخورين بما قد تؤول إليه الأمور بسببهم.
تُعتبر منطقة الشرق الأوسط منبعاً ومستقراً للعديد من الأديان والطوائف والمذاهب، والمعتقَدات الجانبية على هامش هذه وتلك. في حالة الاستقرار التعاوني البنّاء يمكن لهذه الفئات أن تشكل نسيج فسيفساء متكاملاً.
حديثاً باتت المنطقة ميداناً تُجرى فيها تجارب الاستقطاب السياسي التي تعتمد الخلفية العقائدية كأداة للتحكم بالمنطقة عن بعد باستعمال الشاشة الصغيرة. تشهد المنطقة نشاطاً فريداً من نوعه من قبل جهات خارجية مختلفة. يدعم هذه وتلك أتباع وأعوان وأنصار ومتعاطفون متفهّمون من هنا وهناك، بشكل مباشر وغير مباشر.
بشكل أكثر خصوصيةً تحاول تلك المجموعات الطائفية «الميكروسكوبية» منذ حين إثارة الفتن بين مختلف الطوائف. الأمثلة على ذلك كثيرة وتزداد عدداً وحدةً حسب الظروف السياسية الطارئة. حاولت وتحاول إيقاع فتنة بين أبناء أهل الوطن الواحد في مختلف البلدان العربية والإسلامية. تروج أفكاراً مختلفةً «مغرضةً» تعتمد على رؤى خاصة بها للتاريخ والجغرافيا والطبيعة العامة للسكان. ثم تلجأ إلى الترويج لأساليب العنف.
الشعب اللبناني تعرض، ويتعرض الآن، إلى الفتن وجُرَّ من «رقبته وشعر رأسه» من قبل حفنة من الطائفيين السياسيين إلى حروب أهلية مدمِّرة. يدرك غالبية اللبنانيين أكثر من غيرهم نتيجة اللعب على أوتار الفروق المذهبية والدينية والعرقية. ذلك بعد أن اكتوت الطوائف بنيران حروب أهلية عبثية استمرت أحياناً لسنين طوال عجاف.
الشعب العراقي يكتوي الآن بنيران اللعب على الفروق المذهبية والعرقية والدينية؛ فروق في جلها محض سطحية. فروق طبيعية صحية لكن تُستخدم من قبل «طغمة» من مجانين الطائفية والعرقية الفاشية لإنجاح وتثبيت أخطر أنواع التدخل وأكثرها جسامةً وفداحةً، الاحتلال العسكري المباشر.
الشعب الإيراني مستهدَف الآن، بسبب برنامجه النووي ومواقف حكومته السياسية، ببث الفرقة الطائفية والعرقية والمذهبية والدينية. هذه يتم تحويلها إلى ميدان للاستثمار السياسي المحض، من قبل حفنة من الرموز الطائفية سهلة التهييج والانقياد للأطراف الخارجية. ذلك بهدف تمزيق وإشعال الجبهة الإيرانية الداخلية تيسيراً للتدخل الخارجي بشئون إيران.