تشهد أروقة منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) صراعا واضحا بين المجموعة العربية وأنصار إسرائيل في المنظمة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الاميركية، وذلك في معرض حشد العرب لاصوات اعضاء المنظمة لصالح إصداره قرارات تدين ممارسات إسرائيل العدوانية في الاراضي المحتلة، خاصة منها الممارسات التي استهدفت مواقع دينية وتاريخية ضمتها إسرائيل بالمخالفة للقانون الدولي، مثل الاماكن التراثية في القدس ومسجد بلال بن رباح والمسجد الابراهيمي ، والحفريات تحت المسجد الاقصى، وكذلك أوضاع المؤسسات التعليمية في الاراضي المحتلة والجولان السوري تحت الاحتلال اضافة الى الظروف المأساوية في غزة تحت الحصار الاسرائيلي الخانق.
أغرب ما في هذه المواجهة هو الموقف الاميركي الذي يتناقض مع المعلن من واشنطن عن الالتزام بالعملية السلمية، فهي في اليونسكو تلمح بالانسحاب من تمويل المنظمة إذا أصدرت قرارات بإدانة اسرائيل، بينما تطالب الجانب العربي باعطائها مهلة لإقناع اسرائيل بالانصياع لمطالب وقف الاستيطان، ولا يوجد فرق بالطبع بين الاستيطان والاستيلاء على مواقع مهمة كالمساجد والمؤسسات التعليمية، كلها ممتلكات ومواقع عربية وفلسطينية تضمها إسرائيل، أو بالأحرى تغتصبها ، رغم أنف المواثيق الدولية.
واذا كانت واشنطن توفر غطاء لتجاوزات اسرائيل في كل اتجاه، داخل الاراضي المحتلة وفي الأروقة الدولية، فكيف يطمئن العرب الى وساطتها في عملية السلام؟!.
ويبلغ التشوش في الموقف الأميركي مداه حين تقارن بين موقف الإدارة وتصريحاتها المعززة لفرص السلام وموقف جماعات الضغط الموالية لليمين الأميركي والحركة الصهيونية الذين يرتبون لعقد اجتماع سياسي في القدس لتكريس مقولة القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل ضمن ما يسمى بـ (وثيقة المبادئ السياسية بشأن مستقبل الشعب اليهودي) التي يعتزم اليهود الاميركيون مناقشتها خلال تواجدهم في القدس المحتلة .
من الواضح ان جماعات الضغط الموالية لاسرائيل في الولايات المتحدة هي التي تتبنى مواقف المتطرفين الاسرائيليين الذي يواصلون الاستيطان سواء كان هؤلاء المتطرفون من السياسيين او المستوطنين كما تقدم جماعات الضغط هذه وكذلك الأفراد من كبار أثرياء التمويل اللازم للاستيطان في الأراضي المحتلة فمع من يتعامل العرب في واشنطن بالضبط ؟ ومن الذي يملك تحريك زمام الأمور هناك فيما يتعلق بالشرق الأوسط ؟ .
لقد صدر العديد من التوصيات والقرارات التي تؤكد أن القدس منطقة محتلة ولا يجب تغيير أي معلم من معالمها وتتبنى الأمم المتحدة وهيئاتها العاملة هذا المبدأ منذ حرب عام 1948 ورفض اسرائيل لمشروع التقسيم الأممي في عام 1952 ولكن كل هذه القرارات والتوصيات تظل حبرا على ورق أمام الاجراءات الاسرائيلية أحادية الجانب الرامية الى فرض أمر واقع بانتظار أن يذعن له العرب ويسلموا لاسرائيل بما تريد مقابل تسوية نهائية لكن الموقف العربي في اليونسكو الذي جمع نصف الأصوات المطلوبة تقريبا وأزعج واشنطن إلى حد التهديد بالانسحاب من تمويل المنظمة الدولية يدل على أن الوقت يسير لصالح الموقف العربي والفلسطيني مع هذه اليقظة الحثيثة في وعي أعضاء المنظومة الدولية تجاه الخطر الذي يشكل العدوان الإسرائيلي المستمر على الحقوق والمقدسات العربية .
فمع من يتعامل العرب في واشنطن بالضبط ؟ ومن الذي يملك تحريك زمام الأمور هناك فيما يتعلق بالشرق الأوسط ؟
