منذ أزمنة طويلة، ظل هاجس التعليم والمواصلات أساسياً في مطالب المدن والقرى لكن ظروف الماضي لم تساعد، والوقت الراهن مختلف أي أنه باتساع الصناعة وحركة الركاب، وتسارع الوقت في إنجاز الأعمال التجارية وتسويق المنتجات، صار موضوع ربط الموانئ الرئيسية بين جدة والرياض والدمام والجبيل أمراً حيوياً واقتصادياً على المدى البعيد، وضرورةً أساسية في جعل المملكة منطقة عبور استراتيجي بين القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا، أو ما أطلق عليه بالجسر البري، ويكفي تجارب دول عالمية قامت بتأسيس وسائل النقل المختلفة، بحراً وبراً وبوسائط مختلفة تأتي السكك الحديدية على رأسها في تسويق صناعاتها وربطها بشرايين وسائط النقل..

الموضوع في تحقيق هذا المطلب ليس ترفاً بل هو حاجة أساسية عندما أقره المجلس الاقتصادي الأعلى وفق رؤية شاملة، ولعل من يرى أزمة النقل للركاب والبضائع، والأكلاف الكبيرة في صيانة الطرق والسيارات والعوامل السلبية الأخرى في تلوث البيئة والحوادث وقطع الغيار المستوردة، وتشغيل هذه الوسائل بواسطة عمالة مستوردة، يدرك أن الربط بقطارات للركاب والبضائع، هو ما دفع مجلس الوزراء للموافقة على المشروع في ٢٩/١٠/١٤٢٧ه، لكن الإجراءات البطيئة أجلت التعميد والتنفيذ لأسباب غير واضحة رغم عائده الاقتصادي وقيمته الاستثمارية ودراساته الناجزة..

إنشاء شبكة قطارات تربط المواقع الحيوية في المملكة يجب أن لا تحكمه دواعي البيروقراطية الحكومية، طالما الهدف واضح، والحاجة قائمة، ونحن ننزع بمشاريعنا الكبرى أن نكون بلداً صناعياً، وتجارياً بالدرجة الأولى، ولعل إنجاز ذلك في ظروفنا الراهنة من خلال الوفرة المادية، والكفاءات الوطنية القادرة على التخطيط والإدارة للإنشاءات والقوانين ووضع الخرائط المختلفة والتوظيف وغيرها هو أمر حيوي..

وتملك المملكة ساحلين أساسيين على البحر الأحمر بأطوال كبيرة، وكذلك على الخليج العربي، وقد سبق أن استخدمتْ أراضي المملكة لمد أنابيب النفط من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط في أحد موانئ لبنان، وتكرر الأمر مع الأنبوب العراقي، بمعنى أن موقعنا استراتيجي في لعبِ دور في التجارة العربية وغيرها، وتأتي الحاجة إلى التسريع بربطها بناقل حديث ينفذ إلى أكثر من بلد ويخدم مواسم الحج والمواصلات الداخلية، وهو ما سوف يضيف للمملكة بعداً اقتصادياً واستراتيجياً..

تعليق البدء بإنجاز المشروع على ذمة التعديل والتأجيل ومراعاة ظروف غير واقعية ولا تستند إلى حجة مقبولة، يضيّع منا فرصة استثمارية كبيرة، وكلّ ما نخشاه أن تصبح السكك الحديدية مثل بقية المشاريع الأخرى التي تدوّر مبالغها وترحّل إلى ميزانيات أخرى دون مراعاة لقيمة الوقت وضياع الفرص المتاحة..