جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية لتكمل حقبة تاريخية أبرز ما يميزها هي غياب النماذج الكبرى في الرؤى والزعامات على مستوى العالم. وهي بهذا تمثل ذروة للمرحلة الممتدة منذ نهاية الحرب الباردة (أوائل تسعينات القرن الماضي)، التي اعتبرت نصراً للمعسكر الغربي والرأسمالية في طورها الجديد.

لكن هذه الذروة (الأزمة الاقتصادية) تمثل استنزافاً لعالم بدأ يعاني من الترهل فعلاً على المستوى السياسي. لقد اعتبرت نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي السابق نصراً للرأسمالية والمعسكر الغربي.

وكان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش (الأب) يتحدث غداة حرب الخليج الثانية (1991) عن نظام عالمي جديد، لكن العبارة ظلت مبهمة ولم تكن ملامح ذلك النظام الجديد قد تبلورت أو تشكلت حتى في أذهان مخططي السياسة الأميركيين والرئيس نفسه.

كانت تلك فترة اندفاعة للولايات المتحدة بحق. فبعد ان طرد التحالف الذي قادته الولايات المتحدة الجيش العراقي من الكويت، أرسلت إدارة الرئيس بوش قواتاً أميركية إلى الصومال الممزق بفعل الحرب الأهلية. وكانت عبارة النظام الدولي الجديد لاتزال تتردد على لسان الرئيس وأركان الإدارة. لكن دون عناء كبير، كان النفط وراء هذه المهمة الجديدة.

فلقد أرسل بوش الأب القوات الأميركية إلى الصومال بضغط من شركات النفط الأميركية العاملة هناك والتي حصلت على امتيازات للتنقيب وكان من الضروري حماية هذه الاستثمارات في بلد فقد سلطته المركزية وغاص في أتون الحرب الأهلية، وليس لأي اعتبار آخر.

في ذلك الحين، كانت روسيا تتخبط تحت إدارة الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين وهي تتلمس طريقها بعد سيطرة المافيات على الاقتصاد الروسي الذي غدا اقتصاداً مفتوحاً.

فيما اجتاحت العالم موجة من الإعجاب المتنامي بالأسواق الحرة والخصخصة، تنعي كل تلك النماذج الاقتصادية المغايرة التي كانت تعطي للدولة دوراً يقل أو يكبر في إدارة الاقتصاد.

كانت آسيا، قد اختارت مبكراً نماذجها، الصين وهي تواصل وصفتها الخاصة: اقتصاد حر رأسمالي تحت إدارة حزب واحد. النمور الآسيوية.

أما الهند فقد راحت تتخلى عن القطاع العام بحذر وتفتح أسواقها للاستثمارات الغربية يساعدها في ذلك (مثل الصين) سوق هائل يغري المستثمرين وكوادر بشرية من الإداريين والمخططين الاقتصاديين مؤهلة تأهيلاً عالياً ويد عاملة رخيصة.

كانت الهند توالي مقاربات بدأتها منذ ثمانينات القرن الماضي، ولم تأت أواخر التسعينات إلا وكان الاقتصاد الهندي يحقق معدلات نمو تجاوزت ذلك المعدل الذي اسماه الاقتصاديون الهنود «معدل النمو الهندوسي» الذي لم يكن يتجاوز ثلاثة في المائة. دول أميركا اللاتينية لم تتخلف عن ركب المأخوذين بالاقتصاد الحر ولا دول منطقتنا، الشرق الأوسط.

تلك السنوات تميزت (حتى اليوم)، بنماذج نجاح اقتصادي باهرة في بعض المناطق، ومعدلات نمو اقتصادي قياسية تتعدى عشرة في المائة سنوياً كمعدل، لكن في ظل غياب قامات كبيرة في الزعامة السياسية، عدا استثناءات قليلة. لقد حدث تحول مهم.

فبعد ان كانت الزعامة معقودة للسياسيين والمناضلين القدامى في الأحزاب التي قادت معارك الاستقلال، انعقد لواء القيادة لنمط جديد من الزعماء هم في الغالب المخططين الاقتصاديين. ومن نجح منهم في الوصول إلى سدة الحكم قدم نموذج نجاح خاصاً به. أبرز من يمكن الإشارة لهم هنا هو رئيس وزراء ماليزيا السابق: مهاتير محمد.

حقبة الرئيس بيل كلينتون في الولايات المتحدة، التي امتدت ثماني سنوات، شكلت ما يمكن تسميته بفصل أخير من النجاح. فبيل كلينتون الذي ترك جانباً كل مخططات التدخل في مناطق العالم وتراجع استخدام القوة في عهده إلى أدنى الحدود، قاد نجاحاً اقتصادياً قياسياً انعكس في رخاء لا مثيل له في التاريخ الأميركي.

وبالتوازي، كانت الصين والهند تواليان نمواً اقتصادياً حرك في جزء كبير منه الطلب على النفط والتجارة الدولية. الخلاصة هناك ان عهد كلينتون كان آخر عهد لذلك المزيج الذي ميز الأحزاب العمالية في أوروبا ونسختها الأميركية (الحزب الديمقراطي): مزيج من الأفكار الكبرى للرعاية واقتراب سياسي من اليمين.

وعلى نحو ما، يمكن القول ان ذلك الفاصل كان آخر رد على مرحلة ثلاثي مارغريت تاتشر (بريطانيا) ورونالد ريغان (أميركا) وهيلموت كول (ألمانيا).

فهؤلاء الذين وصلوا إلى الحكم في بداية ثمانينات القرن الماضي، قادوا تلك الموجة التي أعادت الاعتبار للأفكار الرأسمالية الصميمة. فما ان بدأت تاتشر في بيع مؤسسات القطاع العام، إلا وظهرت مدرسة اقتصادية جديدة أخذت بألباب العالم اسمها «الخصخصة».

وها هي الأزمة المالية تعيد الاعتبار لدور الدولة من جديد عندما لم تجد الحكومات مناصاً من ضح مليارات الدولارات لإنقاذ المصارف المفلسة (التي تسببت في الأزمة) وإنقاذ قطاعات صناعية أخرى.

حتى الآن، فان التعافي الاقتصادي وعودة الانتعاش مازال يعتمد على دور الحكومات، فما هي العبرة من ذلك كله؟

العبرة ان النموذج الاقتصادي الذي عرفه العالم في العقود الثلاثة الأخيرة بات بحاجة إلى مراجعة. العالم كان قد بدأ يفتقد للقادة الرؤيين، وكانت حقبة الحرب الباردة حقبة صراع تدفع كل أطرافها إلى مواجهة تحديات تتعلق بالبقاء أكثر.

أبعد من هذا، تأتي الأزمة الاقتصادية المخيمة الآن لتظهر ان العالم المستنزف إلى أبعد مدى، بات بحاجة إلى قادة استثنائيين. ولربما يلعب المخططون الاقتصاديون أدواراً أكبر في المستقبل.

لربما نشهد مرحلة يتبوأ فيها المخططون الاقتصاديون سدة الحكم بدلاً من الجلوس أمام شاشات الحواسيب في غرف المقاصة في البورصات أو قاعات المحاضرات في الجامعات أو مجالس إدارات الشركات.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com