الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا ينال جائزة نوبل للآداب لهذه السنة 2010. وإذا كانت جوائز نوبل تمنح أحياناً لكاتب مغمور، أو لمن لا يستحقها، أو تحجب عمَّن يستحقها. فلا شك أن يوسا جدير بنيلها.

فهو كاتب صاحب قامة عالية في عالم الأدب، وله روايات عديدة صنعت له شهرة عالمية، بقدر ما تُرجمت إلى معظم اللغات العربية. وقد ترجمت روايته «حفلة التيس» إلى العربية قبل نقلها إلى الفرنسية. ويعود الفضل في ذلك إلى المترجم القدير صالح علماني الذي ينقل عن الاسبانية مباشرة.

ورواية «حفلة التيس» تدور حول النظام الديكتاتوري الذي تحكّم في الدومينيكان طوال عقود من القرن الفائت. وهي رواية رائعة، ليس فقط من حيث أسلوبها الرفيع، بل خاصة من حيث وصفها وتحليلها لطبائع الاستبداد وآلياته وأجهزته، ولنزوات أهله وطقوسهم وسرياليتهم في ممارسة أعمال القهر والاغتصاب والاستئصال.

ولهذا، فإن لجنة نوبل قد منحته الجائزة، كما جاء في مسوغاتها، لنجاحه في «رسم بنية السلطة ولصوره الدقيقة في تشخيص مقاومة الفرد وتمرّده وإخفاقه».

والكتابة عن الاستبداد تبدو من الموضوعات الأثيرة لدى كبار الكتاب في أميركا اللاتينية التي عانت، وما تزال، من الحكومات الديكتاتورية الغاشمة والأنظمة الشمولية الطاغية. ومن الطبيعي أن يتطرّق الكتّاب إلى هذه المُعضِلة الكبرى. فالكتابة ليست مجرّد مُتعة أو تسلية. وحتى لو كانت تولّد الإمتاع أو التسلية، فإنها تكون «إشكالية»، كما يؤكد يوسا نفسه.

وهل هناك إشكالية أهم من علاقة الناس بعضهم ببعض، أكانت علاقة حاكم بمحكوم، أم عاشق بمعشوق؟

وكلتاهما تنطوي على استبداد، مع فارق أن المعشوق هو الذي يستبدّ بعاشقه. ولا يعني ذلك أن الكاتب يؤلف روايات نضالية، بقدر ما يعني أنه يُخضِع الأنظمة والتجارب السياسية لمنطق السرد الروائي والتخيل الغني.

من المواضيع التي ألف فيها فارغاس يوسا وأبدع أيضاً، مسألة الحب التي هي من المحاور الثابتة في الأدب والفن والكتابة عموماً. فالمرء إذ يروي حياته أو عالمه، لا يمكنه أن يغفل البُعد العشقي الذي له أصله الراسخ في أرض الكينونة، وفروعه في ما أبدعته المخيلة البشرية في مختلف حقول التعبير وفنونه.

ومن أبدع كتابات يوسا في هذا الخصوص روايته، التي صدرت عام 2006، بعنوان: «شيطنات الطفلة الخبيثة». وفي هذه الرواية، يسرد يوسا حياة امرأة بألاعيبها ومكائدها ومغامراتها.

لا على طريقة الشخصيات المشغولة عند تولستوي أو فلوبير في (أنّا كارنينا) أو في (مدام بوفاري)، حيث الحياة المُخترعة تبدو واقعية أكثر من الواقع نفسه؛ ولا على الطريقة التي تُبنى فيها الشخصيات النسائية في (مئة عام من العزلة)، عند ماركيز، حيث يجتمع البُعد الملحمي إلى العالم السحري.

ما نجده عند يوسا هو امتزاج العبث الوجودي بالبُعد الايروسي الإباحي. من هنا، فإن يوسا لا ينتمي إلى مدرسة «الواقعية السحرية» التي يعدّ ماركيز منشئها أو رائدها، والتي تعطي حصة كبيرة لألاعيب الفانتازي والأسطوري والوهمي في التأليف الروائي.

كان يوسا يستوحي في رواياته التجارب الوجودية الفردية أو الجمعية، الشخصية أو العامة. وفي المقابل لا يقف يوسا في صف «الواقعية الاشتراكية» التي دافع عنها منظرو اليسار ونقّاده وكتّابه.

فالواقع هو عنده مادة يشتغل عليها لتحويلها إلى نص روائي سردي. والسرد الجميل لا يتم من دون تخييل خلاق. بهذا المعنى، فإن الواقعية، كمرآة للواقع أو انعكاس له هي خادعة. إذ لا وجود لنص يتطابق مع مرجعه أو واقعه العيني.

من المسائل التي أثارت الجدل حول يوسا علاقته بالسياسة، وعلاقة السياسة بالكتابة. ومن المعلوم أن الكاتب البيروفي قد ترشّح لانتخابات الرئاسة في بلده عام 1990.

ولكنه أخفق بقدر ما أدرك البعد الشاسع بين أطروحات المثقفين وبرامجهم وبين مجريات الواقع وسير العالم. وكان أن استخلص الدرس، ومفاده أن الكتابة شيء والسياسة شيء آخر، فلكل منهما عالمه وعدّته وخلقيّاته.

من هنا ليس بوسع كاتب أو مفكر أو مثقف أن ينجح في معترك السياسة، إلا إذا تحوّل عن مثاليته الخلقية وخرج عن نموذجه العقائدي، لكي يفكر ويعمل بعقلية سياسي محترف، بحيث لا يشتغل بنفي الواقع، بل بتشخيصه لكي يحسن إدارته. دون أن يعني ذلك أن السياسي لا يحترم القواعد أو يستلهم القيم العامة المتعلقة بالحقيقة والعدالة والحرية.

من الأمور الأخرى التي أثارت الجدل لدى قراء يوسا، الذي بدأ كاتباً يسارياً، خروجه على يساريته، كما تجلّى ذلك في هجومه على نظام كاسترو. ثم في ما بعد على نظام شافيز. وفي المقابل، هو أيّد الحرب على العراق لإسقاط نظام صدّام.

هذا ما جعل نقاده يتهمونه بالخيانة لمبادئه وبالتحوّل من صفوف اليسار إلى صفوف اليمين. بالطبع هذا ما يقوله اليساريون الأصوليون الذين هم مع الشعار والاسم والنظام والزعيم، ولو تحوّل كل ذلك إلى مجرّد ذرائع لقيام أعتى الأنظمة الديكتاتورية.

إن الكاتب، أياً كانت ميوله السياسية أو اتجاهاته العقائدية، هو الذي يحتفظ باستقلاليته، ولا يتخلى عن عينه النقدية في فهم المجريات وتشخيص المشكلات، بل هو الذي يمارس نقد الذات بالدرجة الأولى.

في مواجهة الأنظمة والسلطات المغلقة أو المستبدة، أكانت سياسية، أم ثقافية، أم أكاديمية، ولكن يوسا لا يبقى وفياً لمبدئه التنويري، بل يتخلى عن مهمته النقدية، عندما يتعلّق الأمر بالسلطات الفكرية، مع أن نقد الأفكار هو الأولى، لأن الأنظمة والسياسات والاستراتيجيات هي ترجمة للأفكار والمقولات.

من هنا نجده، عندما يتطرّق إلى مفكري ما بعد الحداثة، يقف منهم موقفاً سلبياً عدائياً، كوصفه لأعمال دولوز وبارت ودريدا وفوكو بالهذر، أو بأنها من «أوثان» المثقفين. وفي ذلك ما فيه من الخفة والتسرّع والتعصّب، وربما الجهل. إذ لا يعقل أن نصف بالهذر واحداً من أخصب التيارات الفكرية في النصف الثاني من القرن العشرين.

ثم أن يوسا، إذ يشنّ هجومه الخاطف على ما بعد الحداثة، إنما يناقض نفسه ويخرج على السياق الروائي، إذ هو من القائلين، بأنه عندما يكتب ويؤلف، يتراجع الرأي وتتراجع الأطروحة الأيديولوجية عنده لمصلحة السرد الفني. وهذه من مفارقات الكتاب وتناقضاتهم.

أخلص من ذلك إلى القول بأن المؤلف، أكان روائياً أم شاعراً أم فناناً أم فيلسوفاً، إنما يفعل ويؤثر بقدر ما يشتغل بخصوصيته وينجح في حقل عمله، بحيث يبتعد عن الكتابة السياسية المباشرة، ولا ينخرط في السجالات الأيديولوجية الفجة.

إن عملاً مبتكراً مثل «حفلة التيس»، له فاعليته أكثر بكثير من عشرات الخطابات النضالية والتنظيرات الأيديولوجية. والفاعلية الأدبية تكون بطيئة أو صامتة، بقدر ما هي غير مباشرة، إذ هي تؤثر في تشكيل العقول أو تغيير النفوس، كما هي مفاعيل الأعمال التنويرية.

كاتب لبناني

harb@cyberia.net.lb