لما تماهت العقول العصرية مع متطلبات الضرورة الوصفية للناشئ من المفاهيم، تناسلت في قواميس ما بعد الألفية الثانية مصطلحات جديدة أحدثها «حرب العملات»، وكأن العالم الراهن غير متخم بشتى صنوف الحروب.
ظهر مصطلح «حرب العملات» للمرة الأولى في كتاب للباحث الأميركي من أصل صيني يدعى ما هونجينغ، حمل نفس العنوان قبل نحو اربعة أعوام، وجه من خلاله حزمة ضخمة من الاتهامات للوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية.
ما هونجينغ استهدف في بحثه هذا بنوكا أميركية كبرى تديرها عائلات يهودية، قال إنها تدبر منذ زمن لتبديد ما وصفه بالمعجزة الاقتصادية الصينية، عبر وسائل عدة بينها رفع أسعار النفط والذهب، لكن أبرزها استخدام العملة وتحديدا الدولار سلاحا ضد بكين.
يرى الباحث أن الإدارات الأميركية المتعاقبة عكفت على تنفيذ سياسة خفض سعر صرف الدولار، بعدما ضمنت بقاءه تحت سعر صرف اليورو، ما ينعكس بزيادة الصادرات الأميركية على حساب مثيلاتها الأوروبية والصينية تحديدا، فكما يقول الاقتصاديون كلما تراجع سعر صرف عملة الدول المصنعة بات مغريا للتجار الاستيراد من هذه الدول.
وفي المحصلة، حذر الكاتب من إقدام واشنطن بدفع من العائلات المتهمة إلى خفض سعر صرف الدولار بنسبة كبيرة، وهو ما سيكبد الصين وفي ثوان قليلة، خسارة احتياطيها الهائل من العملة الأميركية والذي يقدر بألف مليار دولار.
ومهما كانت حقيقة هذه الاتهامات، فان صندوق النقد الدولي في آخر اجتماعاته حذر من الآثار المدمرة ل»حرب العملات» المندلعة حاليا جراء تخفيض سعر الدولار والضغوط الأميركية الهاصرة على بكين لرفع قيمة عملتها اليوان، بعدما هربت الكثير من الصناعات الأميركية إلى شنغهاي( الكوة الرأسمالية في الجدار الاشتراكي الصيني)، فضلا عن دوران مجنون للعجلة الصناعية الصينية بسرعة تكاد تتجاوز العجلة الأميركية.
فبحسب أرقام التقرير الذي نشره مركز البحوث الاقتصادية «آي إتش إس غلوبال إنسايت» في يونيو الماضي فان قيمة البضائع التي تنتجها المصانع الصينية وصلت عام 2009 إلى 1600 مليار دولار، مقارنة بنحو 1700 مليار دولار أنتجتها المصانع الأميركية.
وبعد الأزمة المالية العالمية التي حشرت أميركا في خانة اللاهث وراء الدفوقات النقدية (الكاش)، باتت عوائد الصادرات ملحة بل وضرورة حياتية لبلاد العم سام، وفي المقابل تدفع الصين بان رفع قيمة عملتها ولو واحد في المئة سيقلل صادراتها ويدفع بنحو عشرة ملايين صيني إلى وحش البطالة.
هذا الاحتشار بين الدولتين قد يتسبب في تدهور معدل الاستثمارات الاجنبية، وهو ما سيعمق الأزمة الاقتصادية العالمية، ويضيف شرارة غضب جديدة إلى التأجج الأميركي الناجم عن تبعات حروب تبدو خاسرة للناخب الذي هو دافع الضرائب في الولايات المتحدة.
ولا سيما ان اوروبا تلعب دور المنافس المستتر في ثوب الصديق لواشنطن، وهو ما انكشف في قرارها الاخير تخفيض نفقاتها العسكرية، ما يضيف عبئا جديدا على الميزانية العسكرية الأميركية المضطرة لضخ المزيد من الوقود في الدبابات في أفغانستان.
بعد هذا، هل من المنطقي التساؤل عن سر حماسة باراك اوباما للاستفتاء على جنوب السودان وفصله من ثم، لتخليص نفط أبيي من الاختراق الصيني.
Adonis02@hotmail.com