تابع المشاهدون في جميع أنحاء العالم يوم الأربعاء الماضي، وعلى الهواء مباشرة، عملية إنقاذ العمال المحاصرين في منجم النحاس المنهار في «سان خوزيه» بشمال تشيلي، حيث أدارت كبريات محطات التلفزة العالمية ظهرها لأحداث العالم.
ووجهت عدسات كاميراتها، وجندت طواقمها، لنقل عملية إنقاذ العمال الثلاثة والثلاثين المحاصرين منذ الخامس من أغسطس الماضي، على بعد 700 متر تحت الأرض، حتى تم صنع كبسولة إنقاذ خاصة استخدمت في عملية إنقاذهم واحدا بعد الآخر.
وعلى مدى اثنتين وعشرين ساعة، ظلت أنفاس أهلهم وذويهم والعالم الذي يتابع العملية محبوسة، وظلت كاميرات المحطات العالمية الكبرى، وعلى رأسها «سي. إن. إن،» و»بي. بي. سي» و«سكاي» موجهة إلى هذه البقعة من العالم.
حتى تم إنقاذ آخر عامل منهم، وسط أجواء اختلطت فيها دموع الفرح بمشاهد العناق بين العمال الخارجين من الحصار وأسرهم التي كانت تتابع مع العالم عملية إنقاذهم.
هذا الاهتمام الإعلامي العالمي بعملية إنقاذ عمال المنجم المنهار لم يتوقف بمجرد انتهاء عملية الإنقاذ، بل تواصل لتتابع هذه المحطات ردود الفعل على العملية، وترصد المشاعر التي تفجرت لدى المواطنين العاديين والرسميين التشيليين تجاه عملية الإنقاذ، وتجري اللقاءات مع العمال الخارجين من حصار الأيام التسعة والستين الذين سيتحولون إلى نجوم.
ويحولون حصارهم إلى فرصة للاستثمار عبر اللقاءات التي ستجريها معهم الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون، والكتب التي ستسعى إليها دور النشر.
وليس مستبعدا أن تحول هوليوود القصة إلى فيلم سينمائي على غرار «تيتانيك»، جريا على عادتها في تحويل المآسي والحوادث الكبرى إلى مشاريع سينمائية تدر على شركات الإنتاج ملايين الدولارات.
أول ما يمكن رصده من قصة انهيار المنجم ومحاصرة العمال فيه حتى إتمام عملية الإنقاذ، هو نجاح تشيلي في تحويل أنظار العالم نحو كارثة العمال المحاصرين، بعد أن كادت تفقد الأمل في العثور على أثر لهم لمدة 17 يوما من البحث المتواصل.
ثم كانت إرادة التحدي لإخراجهم من المنجم المنهار أحياء، رغم أن حوادث انهيارات المناجم نادرا ما تخلف أحياء وراءها، مثلما حدث في أنحاء كثيرة من العالم، أو نادرا ما يخرج منها جميع المحاصرين أحياء، وهو ما نجحت فيه تشيلي، رغم محدودية إمكاناتها.
ويأتي الاهتمام الذي أولته القيادة السياسية في تشيلي للحادث ليسجل علامة فارقة في الحرص على العثور أولا على العمال المحاصرين، ثم العمل على إيجاد وسيلة لإخراجهم دون خسائر. لذلك وجد العمال الناجون الرئيس التشيلي «سيباستيان بينييرا» وزوجته على رأس بئر المصعد، يستقبلانهم ويحييانهم واحدا واحدا.
كما وجد العامل البوليفي الوحيد العالق مع زملائه التشيليين رئيسه «إيفو موراليس» في انتظاره، يهنئه بسلامة الخروج، ويعرض عليه وظيفة ومنزلا في بوليفيا إذا رغب في العودة إلى بلاده.
ربما تبدو هذه أسبابا كافية كي تولي أجهزة الإعلام العالمية ومحطات التلفزة الأكثر شهرة في العالم عملية الإنقاذ كل هذا الاهتمام الذي أولتها إياه، لتجعل العالم مشدودا إلى شاشات التلفزيون اثنتين وعشرين ساعة، يتابع مشهدا متكررا لعملية إخراج العمال واحدا تلو الآخر، مديرة ظهرها لما يحدث في مناطق أخرى من العالم.
لكن هناك من يقول إن ثمة سببا أهم من هذه الأسباب التي سقناها، هو الذي جعل أجهزة الإعلام هذه توجه كل هذا الاهتمام لعملية الإنقاذ تلك، ذلك هو البُعْد الإنساني الذي حمله الحدث، وهو بُعْدٌ ربما لا يراه المنتسبون للعالم الثالث جديرا بالاهتمام لأسباب تتعلق بالثقافة وأسلوب التفكير.
وهذا رأي له وجاهته لو أن هذه الأجهزة تعاملت مع كل ما يجري في العالم من أحداث ذات بُعْدٍ إنساني بالمعيار نفسه، فأولته الاهتمام ذاته. ذلك أن العالم يزخر بالمآسي الإنسانية التي يذهب ضحيتها آلاف البشر ويعاني جراءها الملايين منهم، والتي غالبا ما تغض هذه الأجهزة الطرف عنها، أو لا توليها الاهتمام الذي تستحقه.
لا نتحدث هنا عما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة من قتل للأطفال والنساء وتشريد لأصحاب الأرض الأصليين واعتداء على حقوقهم، لأننا نعلم أن قضيتنا هذه مع تلك الأجهزة خاسرة رغم عدالتها. ولا نتحدث عما يجري في العراق لأنه لا يختلف كثيرا عما يحدث في فلسطين.
ولكننا نتحدث عما يجري من مآس في مناطق كثيرة من العالم؛ منها على سبيل المثال باكستان التي تعرضت لكارثة إنسانية تضرر جراءها ما يقارب عشرين مليونا من البشر، فقد البعض منهم منازلهم نهائيا.
واضطر بعضهم إلى النزوح من منزله بسبب الفيضانات والأمطار، وانتشرت الأمراض والمجاعات بينهم، بينما وقف العالم يتفرج عليهم غير مقدر حجم الكارثة التي حلت بهم.
كما نتحدث عن المجاعات التي تحدث في إفريقيا ومناطق أخرى من العالم يعيش فيها ملايين البشر تحت مظلة الجوع، على بعد آلاف الأميال من الخط المتعارف عليه للفقر، ويموت فيها طفل كل خمس ثوان باعتراف منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» التي تقدر عدد الجياع في العالم بأكثر من مليار نسمة.
يستحق 33 عاملا حوصروا تحت الأرض 69 يوما أن تهتم بهم أجهزة الإعلام لأنهم جزء من المنظومة البشرية التي نشترك جميعا في الانتماء لها، ولكن، ألا يطرح هذا الاهتمام مجموعة من الأسئلة التي تبقى الإجابة عنها معلقة في هواء غير هواء محطات التلفزة الذي شاهدناه ونحن نتابع عملية الإنقاذ هذه، أسئلة حائرة لا تجد من يسلط الضوء عليها، أو يكلف نفسه عناء البحث عن جواب لها في زمن الفضاء المفتوح والأبواب المغلقة؟
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
