«خذوا الحقيقة من ليبرمان» كان هذا هو تعليقنا بعد الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الإسرائيلي من على منبر الأمم المتحدة والذي كشف فيه عن مشروعه الجنوني للتخلص من عرب 48 تحت عنوان ان الحل ليس في تطبيق مبدأ «الأرض مقابل السلام» بل في خطة لتبادل الأراضي يتم بمقتضاها استيلاء إسرائيل على ما تستطيع من أرض الضفة، وفي نفس الوقت تتخلص من مليون وربع مليون من عرب 48 بنقلهم مع أرض المثلث العربي الذي يتركز وجودهم فيه إلى دولة فلسطينية وهمية وخاضعة أمنياً واقتصادياً لإسرائيل.

لم يكن في كلام الوزير المهووس بالعنصرية ما يختلف مع ما أعلنه مراراً وتكراراً من أفكار مجنونة، ولكن المثير كان صمت العالم على ذلك، ومحاولة إسدال الستار على التصريحات العنصرية والتقليل من أهميتها بدعوى أن بياناً صدر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قال إن موقف وزير الخارجية لا يمثل الرأي الرسمي للدولة.

وانه لم يعرض نص الخطاب على نتانياهو الذي لم يتكرر لا هو ولا من يتحدثون باسمه بتأكيد رفض مقترحات وزيره العنصرية، ولم يستمع لأصوات (حتى من داخل إسرائيل) طالبت بعزل الوزير العنصري، وإنما كان هم رئيس الوزراء الإسرائيلي هو طمأنة الإدارة الأميركية بشأن جانب آخر في تصريحات وزير خارجيته أكد فيه أن التسوية السياسية مع الفلسطينيين تحتاج لعشرات السنين.

بينما الإدارة الأميركية تحتاج لاستمرار تمثيلية التفاوض حتى ولو كانت تعرف أن نتانياهو لا يختلف عن ليبرمان في جوهر موقفه، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي وهو يعلن استعداده لتقديم التنازلات من أجل التسوية، سيفعل كل شيء لنسف أي احتمال للوصول إلى حل سياسي وقيام الدولة الفلسطينية.

الآن، وأكثر من أي وقت مضى، تصل لعبة توزيع الأدوار في الحكومة الإسرائيلية لنهايتها، ويبدو واضحاً للعالم كله أن مفاتيح السياسة الإسرائيلية الحقيقية هي بيد هذا المهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق ليتحول من بلطجي إلى وزير خارجية، ويبدو واضحاً أيضاً أن نتانياهو لا يحتفظ بتحالفه معه لكي يستخدمه فقط في مواجهة أي ضغوط أميركية أو أوروبية من أجل تحقيق التسوية، بل لأنه يمثل الوجه الحقيقي للسياسة التي يريد نتانياهو هو نفسه تطبيقها.

لم تعد لعبة توزيع الأدوار صالحة للاستمرار. فها هو نتانياهو يتبنى بنفسه اقتراح ليبرمان الذي عارضه طويلاً بفرض قسم الولاء والإخلاص لإسرائيل كدولة للشعب اليهودي شرطاً للحصول على الجنسية.

وفي الوقت نفسه لم يتخلف المعتدل باراك وزير الدفاع عن تأييد القانون الجديد الذي يعرف جيداً أن الهدف منه هم المواطنون العرب في إسرائيل، وأنه ليس إلا خطوة في سلسلة من القوانين العنصرية والإجراءات النازية تمهيداً للقيام بعملية «ترانسفير» جديدة يتم بها إرغام أكبر عدد من عرب 48 على مغادرة أرضهم.

وإذا كانوا يقولون الآن إن القانون سيطبق فقط على العرب القادمين من خارج إسرائيل عن طريق الزواج أو لم شمل العائلات، فإن في حقيبة ليبرمان تعديلاً جديداً للقانون لن يتأخر في طرحه، يفرض على عرب الداخل أن يقسموا يمين الولاء للدولة اليهودية عند بلوغهم السادسة عشرة كشرط للحصول على بطاقة الهوية التي من دونها يفقدون الحق في البقاء في الدولة ويتعرضون لخطر الإبعاد.

وعلى الطريق نفسه يطرح نتانياهو مطلبه باعتراف السلطة الفلسطينية بيهودية الدولة الإسرائيلية كشرط لكي يتكرم بالنظر في تمديد تجميد الاستيطان (ولو بصورة وهمية وباستثناء القدس) لمدة شهرين اثنين مع تقاضي الثمن من الإدارة الأميركية أسلحة وأموال وخطابات ضمان يتم خصمها من حقوق الفلسطينيين.

وما يصدم هنا هو موقف الإدارة الأميركية التي تجدد اعترافها بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي ثم تطلب من السلطة الفلسطينية أن تقدم مقترحاتها المضادة، أي ان تتخلى عن رفضها القاطع لاقتراح نتانياهو وتتركه على مائدة التفاوض!!

يحدث ذلك في الوقت الذي يتم فيه الإعلان عن أضخم مناورات عسكرية في تاريخ إسرائيل، ويتم الكشف عن أنها تتضمن التدريب على حرب الشوارع، ليس فقط إزاء احتمال حرب في لبنان أو غزة، وإنما أيضاً لمواجهة عرب 48 إذا تحركوا للتضامن مع أشقائهم في الضفة أو غزة أو لبنان في مواجهة عدوان إسرائيلي محتمل.

أو إذا تحركوا اعتراضاً على سلسلة القوانين العنصرية الذي يفرضها ليبرمان ونتانياهو على طريق جعل إسرائيل دولة للشعب اليهودي فقط، والتخلص من عرب 48 أصحاب الأرض الحقيقيين إما بتعديل الحدود كما اقتراح ليبرمان في خطابه أمام الأمم المتحدة، أو بانتهاز أي فرصة لتنفيذ «ترانسفير» جديد يتدرب عليه الجيش الإسرائيلي الآن أمام سمع العالم وبصره.

في إسرائيل نفسها هناك من يخشون العواقب ويدركون انه في ظل سطوة ليبرمان وسيطرته على القرار الإسرائيلي فإن الهدف لم يعد إفشال عملية السلام التي يعرف الجميع أنها ماتت وشبعت موتاً، وإنما الهدف هو حرب جديدة تعيد خلط الأوراق وتنهي أي حديث عن دولة فلسطينية.

ولم يعد الخطر فقط هو أن فرض «يهودية الدولة» يعني إهدار حق العودة لملايين الفلسطينيين، بل الأخطر أنه يفتح الباب لعملية «ترانسفير» جديدة يبشر بها ليبرمان منذ سنوات، ويعد الساحة لتطبيقها بعد أن أصبح يتحكم في القرار الإسرائيلي، ليضع المنطقة كلها على أعتاب كارثة إذا لم نبادر إلى حشد العالم كله في مواجهة هذا الجنون العنصري قبل فوات الأوان.

كاتب صحافي مصري

galal.aref@hotmail.com