من المتوقع أن يخرج مؤتمر سرت عن نظام المجاملات واللقاءات أمام شاشات التلفزيون أو مصوري الصحف اليومية أو الأسبوعية إلى مرحلة الفعل بعد أن تطورت التجمعات الإقليمية في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية إلى مستويات متقدمة من التنسيق والتعاون والوحدة أحيانا إلا أن الأمور كانت تعيش في مرحلة القرن الماضي ومراوحة في المكان وظل العرب متفرقين كل يغني على ليلاه، فلا معطيات القرن الجديد.

ولا التحولات الهائلة أو التهديدات التي سوف تصيب المجتمع من دون استثناء، حركت المياه الراكدة، وكأننا لا نزال نعيش أجواء سايكس ؟ بيكو، أو مرحلة العداوات في العصر الجاهلي ومنها معركة داحس والغبراء، ولعل هذه الوضعية تجعل من الإنسان العربي في حالة إحباط، لقد دمرت الطبقة الوسطى وهي التي تقود دائماً التغيير والسعي نحو رؤية جديدة للحياة، سواء في مجالها السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي.

يدرك الدارسون للعلم الاجتماعي أن الحديث عن الوحدة السياسية للعرب، تريد أن تحافظ على وضع نظامها القطري السياسي المنكمش على نفسه المحافظ على وجوده، وهنالك تفاوت في تجاربها السياسية ومصالح باتت متصاعدة جعلت من الإقليم العربي أقاليم، ومن العالم العربي عوالم، ومن المنطقة العربية بؤرة للنزاعات السياسية القطرية بين الدول العربية المتجاورة وحتى المتباعدة منها، وبالتالي فهي تقع ضمن الدائرة الحمراء، وغير مسموح الاقتراب منها بتاتاً.

إلا أن الحديث عن الجانب الاقتصادي قد يكون ضمن الدائرة الخضراء إلى حد ما أو هكذا يخيل للمواطن العربي حسن النية أحيانا، فالحديث عن الوحدة الاقتصادية يعود إلى العقد السابع من القرن الماضي عندما طرحت الوحدة الاقتصادية آنذاك في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في الحرب الباردة خلف الحلف الأطلسي.

ولكن الوحدة الاقتصادية الأوروبية تحققت فيما لم تعقد مجلس الوحدة الاقتصادية العربي اجتماعا واحدا منذ سنوات، هذا الحلم الاستراتيجي لم يتحقق لأسباب عديدة، وكان من نتائجها هجرة الأدمغة العربية إلى الغرب، فكم خسرنا ذلك القرار السياسي، بل ان نسبة البطالة ازدادت في وطن يملك الإمكانيات الاقتصادية الهائلة من حيث المساحات الشاسعة والثروات الهائلة والأرض الزراعية الخصبة.

أولئك الضحايا استطاعوا أن يبدعوا في الغرب واستفادت منهم الدول الأجنبية في كافة المجالات فيما حرمت أوطانهم من خبراتهم، لا بل ان تلك الدول استعانت من بعض هؤلاء كخبراء أجانب لا كخبراء عرب قادمين من الدول التي هاجرو إليها، إن المطلوب وبصورة عاجلة أن يعود العقل والمنطق للمحافظة على هذه الثروة .

وهي التي ستحمل شعلة بناء المستقبل والاتجاه به نحو الآفاق الواسعة، أما أن يتم فتح الأبواب لغير العرب على مصراعيه، وتتدخل الأجهزة الأمنية بشكل يثير الريبة، وكأننا نعيش في مرحلة الصراع السابقة فان هذا لا يهم إطلاقا في بناء وطن ينعم بالتقدم والازدهار.

إن الواقع العربي بشكل عام يتدهور في المرحلة الحالية، حتى أن الكثير من المواطنين العرب يترحمون على العهود السابقة، إن معظم الانقلابات العسكرية والقفز على السلطة خلق نخبا جديدة همها الأساسي سرقة الأموال وطرد كل من يحاول أن يقف في هذا الاتجاه، ولعل المتابع لأوضاع العراق في الوقت الراهن يدرك عمق المأساة الحقيقية للإنسان العراقي مما دفع الكثير منهم للهرب من الجحيم إلى أي مكان آخر، والزائر لبغداد عاصمة الحضارة العربية التقليدية ومركز إشعاع حضارة هارون الرشيد والمأمون يجد أنها مدينة لا تنتمي إلى أي عصر من العصور بعد أن شمل الدمار كل أرجائها، فهل هي صدفة أحداث التفجيرات المتكررة بشكل يومي التي تطال الأبرياء من الأطفال والنساء.

وإضافة إلى الرجال أم أنها خطة مرسومة لإرهاب المثقفين العرب والطبقة الوسطى العربية من أن أي دعوة للتغيير لن تحقق أكثر مما حققته إرادة التغيير التي كان يطمع بها العراقيون للخلاص من ديكتاتورية صدام وعبوديته ليصبحوا فريسة القتل والخراب والدمار والطائفية والمذهبية البغيضة، تطور وسائل الاتصال في كافة الفروع يجعل الإنسان يشاهد كل ما يجري في معظم الأقطار العربية.

بل المؤسف أن البلادة وعدم الشعور سائدة لدى معظم المشاهدين حتى أن البعض لم يعد يعير اهتماما لمشاهد القتل والدمار سواء في فلسطين أو العراق أو الصومال لان هذه الأمور باتت مألوفة لدى المشاهد العربي الذي بات محايدا عن قضاياه، ومما يزيد الطين بله أن هناك الكثير من المحطات التي تبث الأغاني والرقصات التي فيها انتهاك للمرأة وكأنها فقط خلقت للمتعة والإغراء، وفي المقابل هناك محطات تبث وبصورة متعمدة الفتنة بين العرب وبذر الشقاق بينهم.

وإلا فما هي أسباب بروز النزعة الطائفية والعرقية وظهور صراعات تعيد العرب إلى العصور الجاهلية من جديد، لقد أفلتت الطائفية البغيضة من عقالها وهناك من يغذي الصراعات والنزاعات لأنها أفضل الطرق للانتحار الذاتي بحيث لا يكلف الأعداء أنفسهم عناء إطلاق رصاصة الرحمة علينا لأننا أطلقناها بأيدينا، هذه الوضعية ليست مؤشرا على العافية بل هي للأسف الشديد ساهمت في اغتراب الإنسان العربي، ولذلك فان الاغتراب يشكل خطرا حقيقيا على العرب في الوقت الذي نشهد أمما أخرى تنجز مشاريعها التنموية بالاعتماد على قدراتها الذاتية.

فمنذ عقود انطلقت التجربة اليابانية من عقالها، وانطلق العملاق الصيني، ويتم اليوم الحديث عن الهند كقادم جديد على الساحة الاقتصادية، فيما نحن نتصارع من أجل أحداث تمت قبل قرون عدة.

في الساحة رفعت شعارات الاستعمار والقوى الغربية التي حاولت أن تخلق الشقاق والانحطاط في هذه الأمة، فماذا فعلت القوى المحلية العربية في أوطانها، لقد خلقت الكارثة، فمتى يبرز المنقذ من جديد ؟

هل يكون هناك قادم جديد اسمه العرب أم أن هذا بات مجرد حلم صعب تحقيقه؟ رغم هذا علينا أن نحلم بقمة عربية جديدة تبعث النهضة العربية من جديد بعد مرور عقود على الانطلاقة الأولى.

أستاذ علم الاجتماع السياسي

almutawa_mohammed@hotmail.com