منذ سنوات طويلة ونحن نسمع مصطلح «خبير». فهذا المصطلح مرتبط بالتطور والرقي والتنمية والتنوير والحداثة. لذا فمنذ فترة زمنية طويلة دخل الخبير حياتنا العامة بكل جزئياتها وارتبط اسمه بكل حقل من حقول التنمية وبكل جزء من جزئيات حياتنا العملية والمهنية حتى أصبح لدينا خبير لكل شيء.
فهناك خبير للتعليم وآخر للتطوير، وخبير لوضع الاستراتيجيات وآخر للتخطيط وخبير للرياضة وآخر للاقتصاد حتى دخل هذا المصطلح في أدق تفاصيل حياتنا ولم نعد نسلم من حقل لم تطأه رجل الخبير ولم تمسه يده.
والمفروض أن «الخبير» هو ذاك الشخص الذي يمتلك خبرة ما ومؤهلات ومهارات غير عادية أو نادرة نستفيد منها ويستفيد منها المجتمع المحلي والإقليمي والعالمي ككل، والمفروض أن يتم التعاقد مع هذا الخبير أو ذاك على أساس واضح وهو نقل خبرته ومهاراته غير العادية، وفي فترة زمنية محددة بعدها يرجع الخبير إلى بلده بعد أن يكون قد أهل من يتسلم بعده المسؤولية.
ولا شك أننا لسنا البلد الوحيد الذي يحتاج إلى خبراء فغيرنا أيضاً يحتاجهم ولا شك أيضاً أن خبرات ذلك الخبير لا تقدر بثمن ولا تكيل بمقياس عادي، ولذا نجد ذلك الخبير يفكر ملياً قبل أن يقبل عرضاً من هذه الجهة أو تلك.
فبدون شك فإن علمه وخبرته غالية ومطلوبة ولذا ففي الكثير من الأحيان يتمادى الخبير في فرض شروطه المالية والمعنوية قبل أن يقبل بأي عرض. فالخبراء عادة ما يتقاضون أعلى الأجور ويحصلون على أفضل المزايا وهم بالتالي يكلفون الخزانة العامة والخاصة أضعاف ما يكلفه الموظف المتميز.
ولكن نظرة بسيطة على الخبراء الذين يتوافدون، أو يتم جلبهم إلى منطقة الخليج تحديداً، نجد أن أغلبهم ليسوا من ذوى المهارات النادرة أو غير العادية وأحياناً ليسوا من ذوي الكفاءات والقدرات المميزة بل يوجد العشرات منهم في البلد دون أن يلتفت لهم أحد.
وهذا يمكن تفسيره بتفسيرين أولهما: أننا فعلاً لا نطلب مهارات غير عادية لأننا ما زلنا في بداية طريقنا التنموي وبأننا لسنا بحاجة في هذه الفترة، مثلاً، إلى علماء فضاء أو ذرة ولسنا بحاجة إلى خبراء في الصناعة لأننا لا نصنع شيئاً ولا نخترع اختراعات علمية كبيرة.
لذا فمعظم هؤلاء الخبراء الذين يتوافدون على مجتمعاتنا هم في الواقع أناس عاديون وذوي خبرات محدودة فاضت عن الحاجة في مجتمعاتهم الأصلية.
والتفسير الثاني مرتبط في الواقع بالذهنية الاجتماعية التي تعودت أن تربط التنمية والتطور والتجديد بالقادم من الخارج، حيث تعتقد تلك الذهنية بأن هذا الشخص يملك من المؤهلات بأفضل ما يمتلك الموجود في البلد أو المحلي وان القدرات التي لديهم هي التي سوف تساعدنا في التخطيط الأفضل وتمكننا من وضع الخطط للارتقاء بجوانب التنمية كالتعليم والصحة والاقتصاد وغيرها من الجوانب التنموية.
لكن الملاحظ هو أن ذلك التهافت من قبل دول الخليج عامة إلى الاستعانة بخبرات الخبراء الأجانب قد خلق مشكلة فعلية نجدها تتنامى في مجتمعاتنا بشكل كبير وخطير. فقد اشتهرت مجتمعاتنا بأنها تفضل الخبير الأجنبي وبأنها تقدم له من الامتيازات الكبيرة والمغرية ما يسيل له اللعاب، لذا توافد على مجتمعاتنا الكثير من «الخبراء» الذين تحتاج خبرتهم إلى تدقيق علمي ومهني.
فالجرائد تنشر وبصورة يومية عن بعض الممارسات التي يمارسها بعض الخبراء نتيجة نقص الخبرة بالمجتمع المحلي واعتقاد ذلك الخبير بأن لديه شيك على بياض ينفق ما يراه مناسباً دون أن يعترضه أحد.
فقصة الخبير الذي أهدر المال العام على تطوير مؤسسته ثم اتضح بعد ذلك أن ما عمله ليس تطويراً، وقصة الخبير الآخر الذي أهدر ملايين أخرى ثم جاء خبير آخر ليقوض ما بناه الأول ويعود ليضع خططاً جديدة في انتظار خبير جديد لكي يقوض ما بناه الخبير الأول والثاني وربما الثالث.
وهكذا نظل ندور في دائرة من الخبراء لا تنتهي لأنها وبكل بساطة تخدم مصالح فئة معينة مستفيدة من عمل أولئك الخبراء ولا تقودنا إلا لإهدار المزيد من المال العام في انتظار نتائج خطط بسيطة أو لعلاج مشكلة معروفة أسبابها.
طريقة التفكير هذه والنظر إلى الخبير بهذه الطريقة أصبحت غير ملائمة لواقعنا ومرهقة لاقتصادنا الوطني ومثيرة للكثير من الحساسيات المجتمعية. فليس هناك في واقع الأمر أي اعتراض على الاستعانة بالخبير الكفء ذي الخبرة النادرة والكفاءة الفائقة في تسيير بعض الأمور التي نعجز عنها نحن، ولكن أن يتم الاستعانة بموظف خارجي ذي خبرات عادية ومهارات بسيطة ونعامله على أنه رجل خارق أي «سوبرمان» قادر على كل شيء، فهذا هو الشيء الذي أصبحت الذهنية المثقفة المتفتحة ترفضه رفضاً تاماً.
بالإضافة إلى ذلك فالمميزات الضخمة التي تعطى لمن يحمل مسمى «خبير» أصبحت ترهق الميزانية العامة وتتسبب في الكثير من الهدر والفساد والكثير من الضغينة تجاه هؤلاء القادمين. لذا أصبح لزاماً علينا تغيير طريقة التفكير هذه بل وإعادة النظر في مسمى الخبير ومن يستحقه. فالكثير من الخبراء الذين يأتون ويغادرون بلداننا هم في الواقع أناس عاديون يعتمدون على خبرتنا ويحولونها إلى رصيد مادي لهم ولذا فلا يمكن لهؤلاء أن يحملوا لقب «خبير».
ان الخبير هو ذلك الشخص الذي يمكن الاستفادة من خبراته غير العادية وتطويعها لخدمة المجتمع المحلي والبيئة التي يعيش فيها، وما عدا ذلك فلا يمكن أن يكون خبيراً. ان خبرة الخبير ومهاراته غير العادية وخدمته الحقيقية للمجتمع القادم إليه هي الفاصل ما بين الخبير الحقيقي ومدعي الخبرة.
جامعة الإمارات