محيرٌ موقف الإدارة الأميركية من تطورات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وما يسير في موازاتها من محاولات لفرض الأمر الواقع. فقرار الحكومة الإسرائيلية تسخين مشروعها الاستيطاني الابتلاعي عبر طرح مناقصة لتشييد 238 وحدة استيطانية جديدة في القدس لم يحدث أثراً داخل الإدارة الأميركية أكثر من إعرابٍ عن «خيبة أمل».

وهذا بالطبع موقفٌ لا محل له من الإعراب في قواميس السياسة الدولية التي تعرّف الإدارة الأميركية على أنها راعية عملية السلام، والقوة الأعظم في العالم الآن.

والأهم من ذلك، فالموقف الأميركي مغلّفٌ بالكثير من الضعف، ولا يرقى لما يجب على الإدارة الأميركية قوله، باعتبارها راعياً ووسيطاً.. وبالتالي تعطي إشارات ملتبسة، وتميّع موقفها وإنْ اعتبرت القرار الاستيطاني الإسرائيلي الجديد معرقلاً لجهود إعادة إطلاق مباحثات السلام مع الفلسطينيين.

فبدل كلمة معرقل كان الأجدر بإدارة السيد باراك أوباما أن تصف القرار بما يستحق من الأوصاف التي تعطي مدلولاً يقترب من وصفِ حقيقة الفعل وضرره بعيداً عن دبلوماسية «جبر الخواطر»، فكان الأدعى أن تقول ان ما أقدم عليه الطرف الإسرائيلي: محبطٌ، مستفزٌ، وائدٌ، مؤذٍ، مقوضٌ، متعارضٌ مع مساعي السلام، فذلك أفضل من أن يصبح الموقف الأميركي مجهض فعلاً للسلام.

والغرض بالتأكيد ليس مواساة الجانب الفلسطيني، أو حتى العربي الذي لم يكد يجف حبر قراراته بمنح الأميركيين فرصة شهر دعماً لجهوده السلمية.. بل هو في المقام الأول فرضٌ على الإدارة، التي ضغطت لإعادة الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، كي ترد عن نفسها تهمة التهاون وغياب المصداقية..

في وقت يلزمها موقعها وسيطاً محكّماً أن تقول بوضوح من يتجاوب ومن يتهرب من المفاوضات ومستلزماتها، وان تبذل كل جهد ممكن حتى تدعم صدقيةَ العملية التي تعهدت ضمانَ نزاهتِها، وعدم عبثيّتها.

ما تفعله إسرائيل، وما ستفعله، وحتى ما لم تفعله، مفضوحٌ ومتوقع.. أما الإدارة الأميركية فتبدو في حالة «توهان».

قيل الكثير عن خطأ توقيت الدخول في جولة المفاوضات المباشرة لجهة قرب الانتخابات الأميركية الخاصة بمجلس الشيوخ وحاكميات الولايات وها هي الأيام تؤكد أن إدارة أوباما تعيش وضعاً داخلياً غير مريح، ووضعاً خارجياً ضاغطاً تتراجع فيه عملية السلام في الشرق على جدول الأولويات الأميركية..

فالسودان واستفتاء جنوبه بات في المرتبة الأولى، وإيران وبرنامجها النووي وزيارات رئيسها في المرتبة الثانية، والدرع الصاروخية الجديدة في أوروبا الرقم 3,. ولا مكان لمفاوضات الشرق الأوسط حتى إشعار آخر.

وهكذا ينجح الإسرائيليون في «تجميد» عملية السلام، بدلاً من تمديد تجميد الاستيطان.