ليس من المبالغة في شيء القول إن الزيارة التي قام بها الرئيس محمود أحمدي نجاد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى لبنان، تعد من أبرز التطورات التي يشهدها لبنان خلال هذه المرحلة ولفترة غير قليلة قادمة. صحيح أن الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي زار بيروت من قبل، ولكن الصحيح أن زيارة نجاد التي شملت جولة له في جنوب لبنان، واقترابه إلى أقرب مسافة ممكنة من الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

وما أكد عليه الرئيس الإيراني في كلماته ومحادثاته مع عدد من القيادات اللبنانية، الرسمية والحزبية، وخاصة حزب الله اللبناني، هذه كله، وغيره عناصر شديدة الأهمية في التأثير على مجريات الأوضاع على الساحة اللبنانية، خاصة أن هناك أطرافا أخرى، لبنانية، وإقليمية ودولية أعربت سواء عن معارضتها وقلقها من تلك الزيارة، أو أنها نظرت إليها بنوع من الترقب والتحسب والانتظار لما يمكن أن تسفر عنه من نتائج، أو يترتب عليها من تطورات.

ومع الوضع في الاعتبار أن الاستقبال الشعبي الضخم وذا الدلالة، الذي أحياه الرئيس اللبناني من عربة مكشوفة خلال موكبه في العاصمة اللبنانية، هو أمر بالغ الدلالة، خاصة أنه اقترن بترحيب رسمي وحزبي لبناني واضحين، فإنه من الطبيعي أن تترك مثل تلك الزيارة المهمة، وفي هذا التوقيت تحديدا الكثير من الآثار والنتائج، سواء على صعيد السياسة الداخلية اللبنانية، والعلاقات بين القوى السياسية والحزبية والطائفية اللبنانية من ناحية، أو على صعيد العلاقات اللبنانية مع محيطها الإقليمي، بشكل أو بآخر، من ناحية ثانية.

من جانب آخر فانه لم يكن مصادفة ان يتم خلال زيارة الرئيس الإيراني للبنان التوقيع على مثل ذلك العدد الكبير من اتفاقيات التعاون بين الدولتين – أي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين الجمهورية اللبنانية، خاصة وأن دولة بوزن وثقل إيران وسعيها إلى تطوير علاقاتها الإقليمية، قادرة على أن تقدم الكثير، وبأشكال مختلفة، ولا سيما للبنان الذي يواجه مشكلات ومصاعب عديدة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وغيرها.

ولم يكن تقديم طهران لـ 450 مليون دولار لدعم قطاع الطاقة والمياه في لبنان استثناء من ذلك، بل أنه كان من أهم عناصره.

ومع التأكيد على أهمية كل ما يمكن أن يعزز من قدرة لبنان وسياساته وما يتمتع به من مكانة خاصة لدى مختلف دول وشعوب المنطقة، وما يمكن أن يسهم به أيضا في تعزيز الاستقرار والسلام في المنطقة، فإن ما أشار إليه وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك من أن لبنان فقد استقلاليته لمجرد زيارة الرئيس اللبناني له هو أمر ليس فقط بعيدا عن المنطق والصواب، ولكنه أيضا نوع من التدخل السافر في شؤون لبنان من الطبيعي أن يرفضه لبنان حكومة وشعبا.

وفى ظل مجمل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة من ناحية، والتربص الاسرائيلي بلبنان على امتداد الفترة الأخيرة من ناحية ثانية، فإن مسؤولية كبيرة تقع الآن على عاتق كل الأطراف اللبنانية، وخاصة حزب الله اللبناني، فيما يتصل بضرورة اليقظة والعمل بشكل جاد من أجل نزع أية فتائل، تم زرعها على امتداد الفترة الأخيرة، أو يمكن زرعها خلال الفترة القليلة القادمة، لاشعال الفتنة على الساحة اللبنانية لسبب أو لآخر.

ولأن حدوث مثل هذه الفتنة من شأنه أن يأكل الأخضر واليابس، فإن كل الأطراف اللبنانية، ودون استثناء مطالبة بالتعاون والعمل الجاد وبحسن نية أيضا من أجل الحفاظ على الوفاق بين الأطراف اللبنانية جميعها، ومن ثم على استقرار لبنان المستهدف. فهل ستتمكن الأطراف اللبنانية من ذلك؟