الرعب من الكتاب والكلمة والرأي، يشبه إلى حد بعيد ما تثيره نعرات المذهب والطائفة والقبيلة والحزب، فهي كوابيس تلاحق أمتنا العربية، وتستمر هاجساً ضاغطاً على السياسات الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، طالما الرقيب مطلق التصرف يعطي صفات العلماني، والليبرالي وغيرهما وفقاً لبنود فهمه، ولذلك عاشت هذه الأمة المقموعة حياة اللاتوازن عندما جربت وسقطت مشاريعها القومية والوحدوية، وبدلاً من الأمة الواحدة صارت تخشى على وحداتها الوطنية بسبب نعراتها التي تهددها بالانقسام والتفتت..

لا أدري لماذا يخشى المسلم على دينه، وهو الذي قاوم التخلف والتبشير والاحتلال، واستطاع -رغم ظروفه- أن يكون ديانة عظمى بين الديانات السائدة بل وأكثرها تمدداً، بل ما نخشاه لا يأتي من خارجه، بل من يسعون لوضعه على قائمة الإرهاب، والتمذهب، والتكفير لفصائله، ولا أدري! لماذا نحن بين أمم العالم المتقدم نخشى الداخل أكثر من الخارج، ونزعم أن المطالب بالمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية التي كفلها الدين ونواميس العالم وقوانينه وسائل تحريض على الأمن الوطني والقومي، بينما كل ما ندعيه من مؤامرات الأعداء، دخلت إلينا من ضعف هياكلنا التنظيمية والسياسية، وأساليب العزل، والتخويف وعلاقات متوترة وغير واضحة بين المجتمعات والدول والقوى الداخلية والخارجية..

لم تهتز ديموقراطية الهند وهي التي تحوي أكبر تنوع ديني وقومي وتعدد لغوي، لأن متانة الديموقراطية التي ساوت بين الجميع كانت حصانتها من القلاقل، وحتى نهوضها الراهن جاء بسبب عبقرية شعبها الذي حصل على المقياس الأول بالذكاء والصبر..

منطقتنا، وبدون جلد الذات، أنهكتها حالات التخلف المبرمج وردود الأفعال التي قادتها إلى نزاعات طويلة انتهت إلى يأس عام من الإصلاح، وإطلاق حرية الرأي، والمساواة بين المواطنين، والعلة متراكمة عندما جير المال والإعلام، لصنع الأزلام من رجال الأمن والعسكر والمنتفعين الآخرين على حساب النزاهة وكلمة الحق، وقد تساوت بعض الدول العربية مع كوريا الشمالية وكوبا، عندما أصبحت صورة الزعيم وتماثيله تملأ حيطان الشوارع والميادين وإعطاء الألقاب للزعيم الأوحد والمهيب والقائد العظيم، وهذا النمط السائد والموروث من بقايا الانقلابات، هو الذي خلق الأمة المقموعة والمصادرة فكرياً وعقلياً والمصابة بالإعاقة الدائمة، طالما كل شيء يؤدي إلى الثقافة الحرة، وعدم الثقة بالذات والانسجام والتصالح معها، هو القانون السائد..