لم تعد مشكلة البيئة في العالم مقتصرة على ظاهرة الاحتباس الحراري، الناجم أصلاً وأساساً عن تلويث الوسط المحيط بغاز ثاني أكسيد الكربون، وغيرها من السموم الغازيّة الخارجة من رحم المُجمعات الصناعية الكبرى، وخاصة في الولايات المتحدة والصين وأوروبا عامة..

لم يعد الأمر مقصوراً على ذلك، ففي الأيام والأسابيع القليلة الماضية، ارتفعت أصوات عديدة تُشير بالبنان لأشكال أخرى من الملوثات الناجمة عن تجارب سريّة تنطلق من مختبرات خفيّة، وتنشرها تلك الأنظمة التي ما زالت غائصة حتى مخ العظم في وهم القوة.

فالحديث عن الغازات الكيميائية التي تبثها الطائرات الشبحيّة بغرض إيذاء المنافسين، يجري كما لو أنه معقول اللامعقول في زمن اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، ولكن تلك الأوهام تتأكد تباعاً، فالغابات الروسية التي احترقت حتى كادت تشمل عاصمة البلاد، بل وحاصرتها أمام عجز وذهول المراقبين الروس..

تلك الحرائق فُسرت مرة بوصفها حرائق ناجمة عن ارتفاع حرارة الجو، وفُسرت مرة أخرى بوصفها عملاً مقصوداً جاء بسبب استخدام مرايا شمسية محمولة عبر الأقمار الصناعية، وقادرة على تركيز ضوء وحرارة الشمس في بقعة من الأرض، ما يضمن إشعال حريق في تلك البقعة بالذات، وبوسع هذه المرايا الموجهة أن تتحرك لتشمل مناطق أخرى مرشحة للحرائق.

قيل، والعهدة على الخيال الجامح لنظريات المؤامرة، إن روسيا هي المنافس الأكبر للقمح الأميركي الذي يوازي النفط في أهميته الاستراتيجية للمستوردين، بل إن القمح أهم من النفط، لأن البشر يمكنهم الاستغناء عن كل شيء إلا الغذاء الضروري لإعادة إنتاج حياتهم، وبهذا فسّر الشاطحون ما جرى باعتباره فعلاً أميركياً موجها ضد القمح الروسي!

ومن مفارقات القدر أن الاتحاد السوفييتي السابق ووريثه الأكبر روسيا، هما أول من طورا تجارب المرايا الشمسية لغرض استخدامها في الحروب المستقبلية. وإذا صح ما يذهب إليه القائلون بالحرائق الناجمة عن توجيه المرايا الشمسية، فإن روسيا ستكون قد دفعت ثمناً كانت تتخيّل أن الآخرين سيدفعونه.

لكن هذه الفرضيات تظل محض خيال، ما لم يتم إثباتها بالدليل القاطع. وحتى في حالة عدم تأكيد ذلك، فإن الاحتباس الحراري سيبقى شاخصاً بوصفه السبب في تلك الحرائق، وكلا الفعلين الافتراضيين يظلان من عمل الإنسان لا الطبيعة.

في ولاية كاليفورنيا الأميركية كارثة أكثر فداحة، تتلخّص في هجرة واختفاء وتلاشي ملايين خلايا النحل الضرورية للإنتاج الزراعي.

فالنحل الذي يمنحنا العسل، يمنحنا ما هو أهم وأخطر من ذلك، فبدون تلقيح مليارات الحشرات الطائرة للمزروعات لا تنبت تلك المزروعات، وبالتالي فإن المتوالية المحتملة تتلخّص حصراً في ما يلي: بدون النحل لا تلقيح، وبدون التلقيح تموت الحياة النباتية، واستتباعاً الحيوانية، وبدون النبات والحيوان ينقرض الإنسان!

يدق العلماء أجراس الخطر من القادم، المُتمثّل في نفوق خلايا النحل، واختفاء تلك الكائنات الهامة لدورة النبات، وغياب التفسير العلمي لهذه الظاهرة المداهمة التي وصلت في بعض المناطق إلى نسبة 30 في المائة.

ويرى الكثيرون أن عاملين يردان بقوة: يتمثل الأول في البذور المهجنة التي قد تكون سبباً في نفوق الحشرات الطائرة، والعامل الثاني هو ارتفاع منسوب الحرارة.

إضافة إلى عامل آخر يتمثل في الذبذبات الكهرومغناطيسية الصادرة عن أجهزة الاستخدام البشري التي تؤثر في مجسّات النحل، وتجعله يضل طريقه ويفارق وظيفته الطبيعة. وقد لاحظوا أن شغّالات النحل المتجولات هي أكثر أنواع النحل اختفاء، مما يرجح مثل هذه الفرضية المرعبة.

وإذا أضفنا إلى هذه الظواهر، تلك التجارب السرية التي تجري هنا وهناك، وتؤدي إلى نشوء أشكال غريبة من الحياة، وأنواع فتاكة من الفيروسات، وأنماط غير مألوفة من الأمراض، فلنا إذاً أن نتخيّل ما ستواجهه البشرية من مخاطر تتجاوز الخيال!

خلال السنوات القليلة الماضية تزايدت وتيرة العواصف العاتية، والفيضانات المدمرة، والجفاف القاتل. والآن تُساهم المصانع في بث سمومها، لنسمع عن محنة «المجر» بعد محنة التسرب النفطي في البحار الأميركية.

وعلى طول أنهار الدانوب الأوروبي، والفولغا الروسي، واليانغسي الصيني، والنيل الإفريقي.. تتحوّل المياه تباعاً إلى مكبّات للسموم، فيما تتوارى الحياة البرية بوتيرة مُقلقة.

وفي بلدان المشاكل والقلاقل والحروب، تُسهم المافيات المحلية في مبادلة ملايين الدولارات السهلة بدفن النفايات السامة. يحدث هذا الأمر في أكثر من مكان في العالم، دون أن نملك أدنى إرادة للحد منها.

لا أحد بمنجاة من كارثة قادمة تلوح في الأفق، ويعززها ركام السحب السوداء الكثيفة، وانتشار مليارات الذبذبات الكهرومغناطيسية، وتنامي التجارب المجنونة الصادرة عن الغرف المظلمة، وتزايد الانبعاثات الغازية الضارة، وتسرب السموم القاتلة في الماء والبر والبحر وما تحت الثرى.

لم يعد أحد بمقدوره الانعتاق، دون عهد عالمي شجاع يقف أمام هذه المخاطر، ويعيد الاعتبار للتوازن.. فالأرض ليست حكراً للبشر، والتخلُّص من بقية الكائنات مقدمة للزوال.

كاتب وباحث يمني

Omaraziz105@gmail.com