ارتفعت الأصوات في أميركا الأسبوع الماضي تطالب بالتحقيق مع غرفة التجارة الأميركية، لأن تقارير نشرت تفيد بأن الغرفة تستخدم بعض الأموال الأجنبية في تمويل الحملات الانتخابية. وقد وصل الأمر إلى أن ذكر أوباما بنفسه الموضوع، واعتبره «تهديدا للديمقراطية» الأميركية.
وكان أحد المواقع الإلكترونية التقدمية، قد نشر تقريرا قال فيه إن الحساب العام للغرفة التجارية الذي تودع فيه مساهمات المؤسسات الأجنبية الأعضاء في الغرفة، هو نفسه الذي يتم من خلاله تمويل تلك الإعلانات الدعائية. والقانون الأميركي يحظر على أي شخص أو هيئة أجنبية، لعب أي دور في العملية الانتخابية. لكن الغرفة رفضت، حتى كتابة هذه السطور، الإفصاح عن مصادر تمويلها للحملة، أو تقديم أية وثائق تثبت أنها تفصل الأموال الأجنبية عن تلك التي تمول الدعاية الانتخابية.
وقد فجرت القصة من جديد موضوع نفوذ المال في السياسة الأميركية. والحقيقة أن النفوذ الخطير الذي يلعبه المال ليس جديدا، فالمسألة لها جذور تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه، ومن المرجح أن يتفاقم هذا النفوذ في المرحلة القادمة على نحو قد يعيد تشكيل الحياة السياسية.
أما عن جذور المسألة، فهي تعود لمصادر ثلاثة؛ أولها أن أميركا لا تعرف التمويل العام للحملات الانتخابية. فعلى عكس أغلب الديمقراطيات الغربية التي تستخدم الخزانة العامة لتمويل الحملات الانتخابية، عزفت أميركا منذ البداية عن استخدام المال العام لهذا الغرض. فباستثناء مرشح الرئاسة الذي يحصل على بعض التمويل العام بشكل اختياري، فإن المرشحين لكافة المناصب الأخرى لا يحصلون على أي تمويل من الخزانة العامة.
معنى ذلك أن المرشح لأي منصب فيدرالي ـ بما في ذلك منصب الرئاسة ـ يكون في حاجة ماسة لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال، نظرا للارتفاع المذهل في تكلفة الحملات الانتخابية. فقد صارت الانتخابات صناعة رائجة قائمة بذاتها، لها متخصصوها الذين يتقاضون أجورا باهظة، فضلا عن الحاجة لشراء وقت على قنوات التليفزيون المختلفة للدعاية.
والمصدر الثاني لنفوذ المال في السياسة، هو أن قانون تمويل الحملات الانتخابية الذي صدر بعد فضيحة ووترغيت في 1974، أنشأ لجنة فيدرالية للإشراف على الانتخابات، مكونة من ستة أعضاء نصفهم من الديمقراطيين والنصف الآخر من الجمهوريين، يختارهم الرئيس ويصدق على تعيينهم مجلس الشيوخ، الأمر الذي جعل حيادية اللجنة تتأثر بمواقف الحزبين في كل انتخابات تجرى.
أما المصدر الثالث، ولعله الأهم على الإطلاق، فهو المتعلق بموقف المحكمة العليا الأميركية. فقد سوت المحكمة في أحكامها بين إنفاق المال وحرية الكلمة، أي اعتبرت أن الإنفاق على الحملات الانتخابية من جانب المواطنين الأميركيين، أفرادا وجماعات، هو أحد أشكال التعبير عن الرأي. ومن ثم رفضت وضع قيود على ذلك الإنفاق باعتباره انتهاكا للدستور. وقد أدى موقف المحكمة هذا إلى وضع قيد عملي على طبيعة القوانين التي تصدر لتنظيم عملية جمع الأموال وإنفاقها في الحملات.
فقوانين تمويل الحملات الانتخابية، حرصت دوما على تحقيق أمرين؛ أولهما وضع سقف لحجم التبرعات التي تقدم للمرشحين، سواء من الأفراد أو من المنظمات والشركات الكبرى، وثانيهما التأكيد على ضرورة إفصاح الممول والمتلقي عن حجم الأموال المقدمة. لكن المحكمة العليا في حكم شهير لها صدر عام 1976، فرقت بين الإسهام المباشر في حملة أحد المرشحين من جانب أي فرد أو جهة، وبين الإنفاق المستقل من جانب المصادر نفسها.
فهي اعتبرت أن الأول يمكن وضع سقف له، على أساس أنه يحمي من إفساد المرشح، ولكنها رفضت وضع أية قيود على الإنفاق المستقل من جانب الأفراد والهيئات، طالما لا يتم بالتنسيق مع المرشح حتى ولو كان في صالحه، لأنها اعتبرت ذلك الإنفاق المستقل أحد أشكال حرية التعبير. بعبارة أخرى، أعفت المحكمة أصحاب المال من أية قيود على تمويل الحملات، وفق شرط فني يسهل التحايل عليه، وهو عدم التنسيق المباشر مع المرشح.
غير أن الفترة القادمة مرشحة لمزيد من تفاقم دور المال في السياسة، بسبب مواقف اتخذتها مؤخرا كل من المحكمة العليا واللجنة الفيدرالية للانتخابات. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة، صدر قراران للمحكمة قوضا قيودا أخرى كان يفرضها القانون. ففي 2007 صدر قرار المحكمة العليا الذي ألغى عمليا أي سقف لتبرعات الأفراد للمنظمات المستقلة، التي كانت تقوم بدعاية صريحة لصالح هزيمة مرشح بعينه.
وفي بداية العام الحالي (2010) رفعت المحكمة القيد على الهيئات والشركات الكبرى في تمويل من تلك الدعاية نفسها. ولم يكن دور اللجنة الفيدرالية للانتخابات أفضل حالا، فالأعضاء الجمهوريون فيها تبنوا، رغم معارضة الديمقراطيين، موقفا يسمح للمنظمات غير الربحية بألا تفصح عن مصادر أموالها التي لم يعد لها سقف، حتى لو كانت تستخدم في دعاية صريحة، طالما الممول نفسه قدم المال لغرض عام، لا لتلك الحملات تحديدا. بعبارة أخرى؛ صار عدم الإفصاح عن التمويل أمرا عاديا برز بوضوح في الحملة الحالية، وجاء في سياقه موقف غرفة التجارة الأميركية.
وقد شجع كل ذلك المصالح القوية التي يهمها فوز الجمهوريين في الانتخابات الحالية، فصارت تنفق بلا حساب، معتمدة على انهيار السقف وعلى ضمان عدم الإفصاح عن مصدر التمويل. معنى ذلك أن ما يسمى بحركة حفل الشاي، التي توصف بأنها تمرد شعبي يعبر عن نبض الناس ويناهض الحكومة وأصحاب المصالح الأقوياء، إذا ما نجحت في حمل الجمهوريين إلى مقاعد الأغلبية في الكونغرس، فإنها ستكون قد فعلت ذلك وفق قواعد اللعبة نفسها، وبمشاركة كاملة من أصحاب المصالح الأقوياء. كل ما في الأمر أنهم أصحاب المصالح المتحالفون مع اليمين الأميركي، لا مع الحزب الديمقراطي!
